تثاءبت القطة البنيّة باسترخاء ومنحت نظرةً لا مبالية لعصفورٍ يقفز أمامها على الغصن الآخر للشجرة، وحتى عندما مرّت بقربها صاحبة الدار لم تهرب ولم تحرّك ساكناً.. كانت سيدةً طيبة القلب، وللحق.. فكّرت القطة.. كلّ أهل البيت هنا طيّبون. فالإبنة ماجدة المعلّمة لطيفةٌ معها لأبعد الحدود، وكثيرأ ما تختار لها من طعام البيت ما يسرّ الخاطر..
وسامر طالب الحقوق يجلس ويحدّثها في اللّيل عندما ينام الجميع وبين يديه كتب القانون.. يجلس مستنداً إلى إطار نافذة غرفته المفتوحة ويخاطب هذه القطة العرجاء بينما تقبع هي على الأريكة في “أرض الديار” باحة البيت الداخلية.. تنظر إليه وكأنّها تفهم ما يسرد لها من همومٍ وأحداث..
وأمّا سائق التاكسي ربّ الأسرة فكانت تأتي إليه وهو يشرب العرقسوس أو اليانسون قرب البركة الصغيرة.. وكان الوحيد من البشر الذي تسمح ليده بالاقتراب منها.. يعبث بعنقها ورأسها مستسلمةً بجوار كرسيّه القديم، فقد تعلمت أن لا تخاف هذه اليد منذ تلك الليلة..
ذلك المساء الحزين.. حين عبرت مع صغيرتها الزقاق الخالي من المارة والسيارات، فتشاغلت ابنتها بشيءٍ يلمع، وفاجأتها سيارةٌ مسرعة جمّدتها في مكانها.. عادت الأم لتنقذها ولكنّ عجلة السيارة داست فوق قدمها، بعد أن رمت ابنتها بعيداً لتفارق الحياة..
ركضت نحوها متحاملة على ألمها وصارت تشمّها وتصرخ، وتنظر بلوعةٍ لا توصف إلى السيارة المبتعدة والتي لم يكلّف صاحبها خاطره بأكثر من نظرةٍ سريعة للخلف حملت لوماً لهذه المخلوقات الغبية كما فكّر في نفسه.. قفزت القطة بقدمها الغائبة من جانبٍ لآخر تتمنى أن تنهض صغيرتها من جديد، ولم تشعر بسيارة الأجرة القادمة ولم تأبه بها.. إلا أنّها توقفت وترجّل منها أبو سامر واتجه نحوها، قفزت خطوتين ووقفت وعادت خطوة ووقفت خائفة وملتاعة ومستعدة للحرب والبكاء..
انحنى أبو سامر وحمل الصغيرة، وبلمسة حنانٍ لم تقاومها الأم وضعها أيضاً على ذراعه القويّة.. وفي تلك الليلة ضمّ التراب في باحة بيته جسد القطة الطفلة.. وصار هذا المكان الواسع بيت أمها الذي لا تفارقه.
ومرّت الأيام، وتعوّدت القطة الجميلة على الحياة بين أهل الدار.. سهرت معهم ونامت معهم.. سمعت قصصهم وعرفت همومهم، ولمست عن قرب معاني الحبّ والرحمة فيما بينهم وهي التي كانت غائبة عن شوارع حياتها..
كانت تتمنى فقط لو عاشت بينهم قطتها الصغيرة لتجرّب هذا النعيم الذي لم تسمع عنه إلا في قصص جدتها ربّما.. إذا كانت الجدات عند القطط تسرد الحكايات..
كانت تتأملهم يعيشون بين لمسة حنانٍ هنا وضحكةٍ هناك.. وحتى الدموع التي رأتها في هذا البيت كانت دافئة، فأدركت الأمّ الحزينة أنّ السعادة تكون قريبةً من الرحماء، وعندها قد تكون انفرجت أسارير وجهها الجميل.. وظنّ العصفور الأحمق على الغصن القريب أنّ القطة البنّية تبتسم له.. بينما تثاءبت هي من جديد، واستسلمت للنوم.
* * *
م.أحمد عزالدين شربك