يوميات في إجازة صيف..

اقترب الفتى الصغير بنظرةٍ حائرة:

  • – هل أنت حقاً عمي.. ماجد؟!

تحرّكت رموشه الطويلة مرّاتٍ ومرّات وهو ينتظر الإجابة.. ووسط الجو المشحون باللقاء والشوق.. استدار العم المغترب واعتدل في جلسته ثمّ تكلّم بحذر:

  • – عمر؟.. أنت عمر؟

ومن حوله أومأت ثلاثة وجوهٍ بالإيجاب.. وجه أخيه وزوجته وابنتهما الكبرى سمر.. وحارَ هو مع لهفة الصغير لعناقه.. لهفةٌ لم يجد بينه وبين نفسه لها الكثير من المبررات. ولكنّ هذا الصبي صاحب العشرة أعوام أثار أيضاً في نفسه الكثير من الأسئلة.

لقد سافر منذ ست سنواتٍ ولم يعد أبداً ولا حتّى في إجازةٍ قصيرة.. هرب من واقعٍ لم يحتمله، فقد كانوا أناساً بسطاء يسكنون حيّاً شعبيّاً في هذه المدينة الصغيرة.

تأمل أفراد أسرة أخيه من بين ثنيات قميص عمر.. لا يزالون كما تركهم! كان يظن أنّ الحياة لن تسعهم طويلاً في بيتهم الصغير هذا وعلى أثاثهم المتواضع..

أدهشه تألق الفرح في عيون الصغير عندما قفز من بين يديه ليعود ومعه دراجته الجديدة.. المسكين.. إنّها دراجةٌ رخيصة.. لم يرَ أنواع الدراجات حيث يعيش هناك.

وهذه سمارة.. لقد أصبحت صبيةً نضرة.. كانت توزّع الابتسامات وهي تداعب خاتم خطوبتها وتحلّق بأفكارها بعيداً عنهم، ثم تحمرّ خدودها عندما تنتبه لأيّ نداء.

وأمّا أخوه الموظف البسيط فكان دائماً يخشى عليه أن ينهار من أعباء المسؤوليات، ويتوقع كلّما ازدادت سنوات غربته أن يعود ليراه أسوأ حالاً.. فلا يمكن أن يتحسن دخله في ذلك العمل، وهو أيضاً لم يستطع أن يساعده طوال تلك السنين فنفقاته في الغربة ليست قليلة، كما أنّه يريد أن يجمع لنفسه قليلاً من المال ليعيش حياةً أفضل..

ولكنّه في النهاية ذهل تماماً عندما رنّ جرس الباب وجاءت أسرة أخته هالة لتسلّم عليه، رأى أخاه يضحك من كلّ قلبه وهو يستقبلهم، ثم رآه يرسل أولاد أخته الثلاثة مع ابنه عمر ليشتروا ما يحبّون من دكّان أبي سالم.. وصار الأولاد يتقافزون قبل ذهابهم ووجه أخته يزداد إشراقاً وهي تتحدث وتشيع الفرح من حولها بتحركاتها وكلامها المعسول والطريف..

– يا الله.. كيف يعيشون بهذه الطريقة أكاد أختنق، بلا شك هم يتظاهرون أنّهم سعداء.. فكّر ماجد.. إنّهم يبتسمون في وجهي ويكرّرون نفس الكلمات التي سمعتها منذ وصلت من رفاق الحارة أو من الجيران: (لا تسافر من جديد ابقَ هنا.. الربّ واحد والرزق واحد..)

– ولكن كيف؟ في هذه البيوت الضيقة!! وبدون سيّارة!! إنّهم مجانين.. لم يجرّبوا الحياة خارج هذه الأزقة، لم يعرفوا الفرق..

وعندما جلس معهم في اليوم التالي عند إطلالةٍ رائعة في أحد المنتزهات المجانية بدأ يشكّ في كونهم مجانين.. وفي اليوم الثالث والرابع والخامس وعلى موائد بيت أخته وبعض الجيران والأصحاب العامرة احتفاءاً به.. لم يعد يرى أيّ مجنونٍ من حوله.. ربّما إلا عندما يمرّ ويلتفت سريعاً وهارباً من جوار مرآة.

 وانقضت أيام إجازته مثل العاصفة التي هبّت على كيانه، وبدأ المغترب المكابر يخبّأ بعض الحاجيات لترافقه في سفره..

خبّأ مصحف أمّه وصورة ابن أخيه.. ودميةً صغيرة كان وأخته يلعبان بها معاً في أيام الطفولة. ومع الوقت خبّأ صوراً في جوّاله للحارة التي تربّى فيها ولسور المدرسة.. لملعب الكرة الصغير ودكّان أبي سالم.. لوجوه الناس ووسائل النقل والمكتبات والجدران.

وانتهى الأمر بأن بدأ يلملم رائحة الهواء وتراب الأرض.. ومشاعرَ ليس لها عنوان آخر في العالم.. سافر وحملها معه.. وكان كلّما اختنق في صقيع الغربة غمس دموعَهُ فيها.. في الحبِّ والدفءِ والأمان.

م.أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق