في إحدى دور الأيتام كان الولدُ الذي قَدِمَ مؤخراً يحاولُ أن يشقَّ طريقَهُ بين زملاءه في السكن وفي صفّه الدراسيّ عند المعلمين الثلاثة الذين يتناوبون على تدريسهم.
لقد تمّ نقله منذ فترةٍ قريبةٍ بعد وفاة والدته الفقيرة، وامتناع زوج خالته الوحيدة عن اصطحابه لمنزلهم لقلّة ذات اليد أو الضمير ربّما..
استلقى بعد وجبة الغداء في الغرفة التي يتشاركها مع اثنين من زملائه، وعانده النوم فقرّر أن يكتب واجب اللغة العربية ليوم الغد..
جلس إلى الطاولة الوحيدة في الغرفة وبدأ يكتب موضوع التعبير عن الأمل الذي يمكن لأيّ أحدٍ أن يجدَه في الحياة، وعندما كانت الكلمات تأخذ طريقها إلى الورق كانت دموعاً في عينيه تتهيأ قليلاً قليلاً لترى الدنيا لأوّل مرة..
غَشِيَ بصرُه وانكسرَتْ ريشةُ قلمه الصغيرة، بحث حوله وفي الخزانة عن مبراة أو قلمٍ آخر فلم يجد ولم يشأ أن يفتحَ أيّاً من حقائب زملائه النائمين.
خرج إلى البهو وشعر بالمبنى كلّه غارقاً في النوم في هذه الساعة من الظهيرة، حاول البحث من حوله فوجد باباً تعلو لافتته الغبار وعندما فتحه رأى رفوفاً من الوثائق القديمة وطاولةً خشبية.
كان الضوء خفيفاً في الغرفة ولكنّه استجمع قواه ودخل فلم يجد إلا الكثيرَ من الغبارِ وكأسَاً فارغةً على الطاولة.. حانت منه التفاتة فرأى في الزاوية البعيدة صندوقاً قديماً أشبَهَ ما يكون بصناديق القراصنة في الحكايات.. فتح غطاءه الثقيييل بصعوبةٍ بالغة وصدرَ صوت حادٌ منه كالأزيز..
نظر مدهوشاً وخائفاً بعض الشيءِ في أرجاءه ليجدَ قطعاً من القماش ودفاترَ قديمة وحديد!! كاد أن يخدش يديه.. أغمض عينيه بشدة وعاد ليستوعبَ بعض الضوء فرأى أنّه مصباحٌ قديم يشبهُ ما قالت له أمُّهُ مرةً مصباحَ علاء الدين .. ابتسم وتذكّر أمّه ثمّ رفعه للأعلى. هالَهُ وزنُه الثقيل ورأى حروفاً مطموسةً على أحد جوانبه. فتمالك نفسه وأزاح الغبار عنها لينتفضَ المصباحُ بين يديه ويسقطَ أرضاً، ويركض الولد ليصطدم بالطاولة ويقع وليرى خلفَهَ شكلاً لم يألفهُ من قبل..
كان فزعه قد تجاوز حدّ الصراخ فلم ينطق بحرف وتهادى أمام عينيه كائنٌ مثل الأشباحِ كما كانت أمّه تصفه له، وسمع ما بدا له تسجيلاً مكرراً من القصة القديمة: ماذا تحبّ أن أفعله لك.. أيّ شيء..!
نسيَ قصةَ موضوع التعبير، ونسيَ الملابس والألعاب والحكايات وتذكّر أمّه فقط، وكيف يمكن أن يكون شكل أبيه، وكيف تكونُ الحياة خارج جدران الميتم..
وفي لحظات تحققت أمنيته وتغيّر المشهد ليرى لوحةً جميلةً على الجدار وخزانة كتبٍ تسكن بعضَ رفوفها ألعابٌ جميلةٌ، كانَ في غرفةِ نومه الخاصة في بيتٍ يبدو أنّه واسعٌ وجميل..
أطلّت أمّه من الباب ودعته للغداء، وتقافز على الدرج المؤدي للدور الأرضي ليأخذَ مكانه بجوار أبيه على طاولة الطعام وفوقها ما لم يكن يراه ويأكله من قبل..
أحسّ بالسعادة تنتشر في أضلاعه وحاولَ أن ينسى كلّ ما مرّ به من قبل.. وأتمّت أمّه القادمة بطبق الدجاج المحمّر رحلةَ استشفائه الخاص من البؤس.
هل يمكن أن تكون هناك حياةٌ مثل هذه هنا، وحياتي التي عشتها قبل الآن!؟ ترك هذا السؤالَ الأخيرَ بلا إجابة واستسلمَ لابتساماتِ أبيه وأمّه في الحديقة بعد الغداء، وفي مدينة الألعاب آخر النهار قبل أن يعود للبيت وتكون قبلة أمّه آخر عهده بهذا اليوم الجميل قبل أن يستسلمَ للنوم اللذيذ..
– هيا يا عماد لماذا تنامُ على الكرسي اذهب لسريرك يا بنيّ.. يمكن أن تنهي الواجبَ في مكتبة الدار في المساء، وأكملت المشرفةُ بحنان: النوم بعد الظهر مفيدٌ لك كثيراً.. هيّا يا بنيّ قم.
مشى الولد الصغير باتجاه السرير في الميتم يحمل دفتره والقلم.. والريشةَ الصغيرةَ المكسورة وحلماً في صدره لن ينساه، ولم يخبر به أحداً منذُ ذلكَ اليوم.
* * *
“قصة كتبها ابني الأصغر عمر منذ زمن، وأعدت فقط صياغتها على الورق”
م. أحمد عزالدين شربك