كثيرٌ من الحب..

تماثلت قمرُ للشفاء.. لم يعتقد أحدٌ أن تكونَ هذه الفتاة النحيلة بتلك القوة.. كانت في العشرين من عمرها وقد قضت أياماً كثيرةً من هذه الأعوام على فراش المرض.

جاءت إلى الدنيا بداء اليرقان ولم تُشفَ منه حتى قام الأطباءُ بتبديل دمِها بالكامل، وعاش أهلها في قلقٍ لا يوصَفُ في تلك الفترة، ثم أصيبت بالتهابٍ تنفسيّ بعد سلسلةٍ من الحمّى والأنفلونزا قبل أن تتمَّ الثالثة من عمرها، ووصل الحال في أحد الأيام لأن يقول طبيبُ العائلة محمّد لوالدها بأنّها قد لا تنجو.

كان جسمها ضعيفاً جداً ولكنّ نظرةَ عينيها كانت عميقةً ومركّزة، وهو ما أضفى عليها سحراً خاصاً عرفه كلّ من عاشوا بقربها..

وطوال سنين دراستها الابتدائية كانت مثار جدل المعلمات كيف تنجح كلّ عام رغم غيابها المتكرر عن المدرسة، وخلاصةُ القول أنّها كانت تمتلك ذهناً متوقداً في جسدٍ مُنْهَك.

وبعد ذلك وفي عامها الخامس عشر عانت من التهابٍ في الرئة مع حمّى شديدة، وكانت بالكاد تصحو لتعود للنوم ساعاتٍ طويلة بينما تضع أمّها باستمرار قطعَ القماشِ المبلّلة على جبينها، وقلبها ينفطر خوفاً من احتمال أن تَفقدها.

كانَتْ عزيزةً وغالية.. الابنة الوحيدة والأخت الكبرى لأخوتها الثلاثة، ولكنّها نجت وخرجت من المشفى بتعليماتٍ مشدّدة من الأطباء وإبقاءٍ في المنزل.. وقد حرمها ذلك المرض الطويل من الذهاب لمدرستها الثانوية لأكثرَ من شهرين، ورغم ذلك وكالمعتاد فقد فاجأت الجميع ونجحت قمرُ في صفّها..

كان والدها أبو ضياء كبيرَ المحاسبين في شركةٍ خاصة، وقد ساعدها في الرياضيات واللغة الأجنبية ولكنّ الدور الأكبر كان لوالدتها التي أعادت معها بإصرارٍ كلَّ درسٍ وواجب. ولم يكن ذلك لأنّها معلمةً سابقةً فقط بل لإيمانها بأنّ ابنتها لا ينبغي أن تتأخر عن باقي أقرانها مهما كانت الظروف.

*            *            *

وفي هذا الصيف أحسّت قمرُ بالمرض وقد بدأ بتعبٍ شديد لا يزولُ بالراحة أو النوم خلال سفر العائلة في الإجازة، وبدأت تظهرُ بعض البقع الحمراء على جلدها. وبعدَ أيامٍ من عودتهم إلى الديار قال الأطباء بمرارة أنّها مصابةٌ بسرطان الدم سيءِ الذكر.

قالت أمّها بعيونٍ دامعة: من بيننا جميعاً هي من أُصيبت بهذا المرض..

أمسك زوجها بيدها وقال محاولاً منحها بعض الثقة التي يحتاجها هو أكثر: إنّها إرادة الله، تمسّكي بالأمل.. ليس لنا إلا الدعاء بأن تستجيبَ للعلاج.. ثم قال بتفاؤل:

لقد أسرّ لي الدكتور محمّد بأنّ تاريخها الطبي قد يكون مفيداً لمقاومة هذا المرض، فمناعةُ جسمها تتحسّن وقد ذكّرني بأنّها في السنتين الأخيرتين لم تعد تمرضُ كثيراً كما في السابق.

دفعت الأمُّ ابتسامةً خفيفةً إلى شفتيها وقالت: أرجو ذلك، إنّها قوية ولكنّك تعلمُ هذا المرض السيئ، وأكثر ما يزعجني أنّهم يمنعونني من الاقتراب منها بعد الجرعة الكيميائية.. أريد أن أكون بجانبها.

أجابها بسرعة: كما قلتِ تماماً.. إنّها قوية، ولا تنسَي ابتسامتها التي لا تفارقُ وجهها عندما ترانا من بعيد.. ستُشفى بإذن الله.

وبإذن الله تماثلت قمر للشفاء بعد عدة أشهر، وعادت لتنيرَ بيت أهلها بمزيدٍ من السرور الذي اعتادت أن تضيفه أينما حلّت.

كان يوماً استثنائياً عندما خرجوا من المشفى فقد قال رئيسُ الأطباء في مرحٍ طفولي:

لم أرَ في حياتي مثل هذه العزيمة والشجاعة.. والرضا.

وأكملَ عنه الدكتور محمّد: أعتقد أيّتها الشابّة أنّك أصبحتِ الآن أقوى من أيّ وقتٍ مضى، وستعيشينَ حياتك بإذن الله بكامل الصحة والعافية.

كان لكلماتِهِ وقعَ السحر على الجميع فامتد الفرحُ من الأطراف إلى كلّ ذرّةٍ من كيان هذه الأسرة الصغيرة.

وقبل أن تنامَ يومها كانت الأمّ تجلس بقربها على الفراش تستمعُ بسعادةٍ بالغةٍ لكلماتها.. كان الدم قد تدفّق من جديدٍ إلى وجنتيها، وعيونها جميلةٌ مشرقة، وتكلّمت كثيراً..

تكلّمَتْ عن الممرّضة الطيّبة التي كانت تعطيها الدواء في المستشفى، عن المرضى الآخرين.. عن الإحساس الثقيل بالوحدة، عن الألم.. والخوف من الموت، وعن الأمل بالله.

صمتت قليلاً ثم استجمعت قواها وقالت بصوتٍ هامس:

في الليلة السابقة لإحدى الجرعات.. كنتُ وحيدة وكان شعري يتساقط.. أصابني ضيقٌ شديد ولم أكد أتنفس وربّما رأيت الموت.. وللمرّة الأولى شعرت باليأس فعلاً فناجيتُ ربّي.. ناجيته كثيراً من أعماق قلبي وعلمتُ أنّه لا قريبَ أكثرَ منه إليّ.. وأنّ شفائي إذا شاء بيدِهِ وحدَه.

وبعد الجرعة في اليوم التالي عندما رأيتكم من خلف زجاجِ الغرفة.. كنتُ أبتسمُ لكم ولكنّ قلبي كان يبكي ويدعوه فأنا لا أحبّ نظرة الألم والحزن في وجوهكم..

تغيّر صوتها قليلاً وهي تكمل: لم أحبّ الألمَ يوماً لأيّ أحد. كنت أقول له يا ربِّ لا تحرمهم منّي.. لا أريد أن يتألموا، وعندها فقط نعم.. عندها فقط شعرت أنّني سأُشفى.

ثم اختلجت الكلمات في حلقها وهي تريد أن تقول: أنا أحبّكم، ولم تستطع إكمال الحروف فمالت نحو أمّها ولأول مرّةٍ منذ سنين عانقتها بهذه المشاعر الهادرة، وهطلت كثيرٌ كثيرٌ من الدموع كانت بعيدةً عن الحزن، وأقربَ ما تكونُ إلى الحب.. كثير من الحب.

*                          *                            *

 م.أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق