إفطارٌ مجنون.. وقطار

لم أتوقع أبداً هذه اللحظات الصعبة.. هل من الضروري أن أستنفذَ كلّ الفرص في الحياة!.. دعوةٌ لإفطارٍ مجانيّ في فندقِ التسعةِ نجوم هذا.. شيءٌ مُربك..!

فالمكانُ جميلٌ.. وفخم، ولكنّه متعدد الانحناءات والاتجاهات.. وضخم، وكيفما نظرتَ ترى الكثير من النّاس من العاملين ورؤساء العاملين ورؤسائهم وكلٌّ له لونٌ وشكلٌ وهندام، ومن الزبائن الذين يتحركون مسرعينَ واثقين وكأنّهم يحفظونَ المكان.. أما أنا فكنتُ أدوسُ على الأقدام، وأتحاشى الأكتافَ وأبحثُ عن أماكن الصحون والملاعق والطعام.. وكم تعبتُ حتى عرفت من أين يُحضرون الحِساء، وما أن وصلت به إلى الطاولة (سالماً) حتى تشبّثتُ بالكرسي ولم أجرؤ على القيام مرةً أخرى، وقلتُ لنفسي ربّما يهدأ النّاسُ قليلاً بعد بدء الإفطار..

والمربكُ أكثر أنّ مضيفي الظريف والذي حصل على الدعوتين المجانيتين (واشتهاني معه) حاضرٌ غائب، فمنذ أن وصلنا وهو كالقطار يذهب فارغاً ويعود (مزدحماً). وبينما كان أمامي طبقٌ من الحِساء وماء، كانت الطاولة مائلةً أو تكادُ لجهته العامرةِ بالأطباق.

ولم أشعر إلا وقد صدح صوتُ الأذان ولم يأتِ القطارُ (صديقي) بعد.. دعوتُ ربّي بالسلامة وأفطرتُ بالماء.. وما أن هَمَمْتُ بغمسِ ملعقتي في الطبق حتى هاجَ الحِساءُ وماج، فقد وصلت سفينةُ صاحبي واهتزت الطاولةُ كأنّها جان.. ولم نهدأ جميعاً حتى استقرّ في كرسيّه لاهثاً وخطفَ كأسَ الماء الذي رفعتُهُ باتجاهه.. وبدأ بالانتقام بلا رحمةٍ من العطش الذي أنهكه طولَ النهار.

(الحمد لله) قالها وعينُه تعاينُ خصومَهُ في الأطباق أيّهم أولاً سيبدأ معه العراك؟ ومن حولنا كانت المعركة قد بدأت، فالحَكَم أعلن بداية المباراة والتحم الفريقان (الشوكُ والسكاكين)، وتعالت الأصوات، وبالطبع فإنّ قلبَ الهجوم ونجمَ النجوم كان على طاولتنا يسجّل الأهداف تلو الأهداف.

تناسيتُ صاحبي وبدأتُ بالحِساء وكانت أوّل المفاجأت لي أنّه..( امّم..) أطيبُ طعماً ممّا توقعت.. فكنتُ قد قبلت الدعوةَ رغبةً في التجديد ولأرى لمرّة.. مطاعم الفنادق عالية المقام، ولكنّي حسبت أنّ الطعام لن يُشبِهَ في حالٍ من الأحوال طبخ البيوت، وأنّ هذه الأماكن تتبارى بتقديم الغريبِ من الوصفات والنكهات ممّا قد لا يستسيغه هواة ذلك الطبخ مثلي.. فتشجّعتُ بعد الحساء واتجهتُ للموائدِ العامرةِ بما لذّ وطاب، وأخذتُ من أصناف الخضرةِ الكثيرةِ جداً ما أحبُّ وأشتهي، ووضعتُ معها قطعاً صغيرة من لحومٍ متنوعةٍ ساخنة وبعضَ الأرز.

عُدتُ إلى طاولةِ صاحبنا (أقصد طاولتنا) واحترتُ أين أضعُ الطبق فجيوشُ السيّدِ الفاضل.. الأكول الماهر تملأ الشوارعَ والساحات وحتى الأزقّة والحارات.. ولم ينقذني إلا أحدُ العاملين الذين تراهم كالسهام يلتقطون ما انتهى أو كاد من الأطباق، فالتقط طبق حساءيَ الفارغِ من على الطاولة، وانتزعَ من بين براثنِ صاحبي طبقين!!

ضَحِكَ صديقي وقالَ وهو ينظرُ بشفقةٍ واضحة: إنّك تأكل مثل الخروف!! ما كلّ هذه الحشائش؟ وأين اللحم.. اللحم (قالها بصوتٍ فخم..). دافعتُ عن ما اخترت بكلّ ما أوتيت من قوة: هذه؟! إنّها أطيبُ أطايب الطعام.. النعنع الأخضر والفجل الأحمر.. أوراق الخسّ والطماطم والجرجير وغيرها كثير، سبحان الله.. وهل تطيبُ اللحوم وكلّ المأكولات إلا بوجودها لتزّين بالشكلِ والطعمِ والرائحةِ الطعامَ.. والمكان..

تركني أتغزّل بالسلطة والخضار وانهال ضرباً وتمزيقاً على اللحوم أمامه بالشوكة والسكّين وبكلّ ما أعطاه الله إيّاه من أسنان. وماهو إلا قليلٌ من الوقت حتّى سكت.. وبدا كأنّه لا يتنفّس.. نظرتُ إليه مستغرباً خائفاً عليه بعض الشيء، فتنهّد وقال بحزم:

– الآن علينا بالحلوى.. وقبل أن ينتظَرمنّي أيَّ جواب كانت الدنيا قد غابت عنّي بسبب (كرشه) الضخم للمرة الثالثة أو السابعة هذا المساء، فالمسكينُ مضطرٌ أن يمرّ عبري في كلّ مرّة إلى ميادينِ الطعام..

أنهيتُ طبقي ولحِقْتُ بصاحبي. وبعد أن اخترتُ من الحلوى نوعين وعُدت، التقيتُهُ عند الطاولة فقد وصلنا في نفس الوقت. وما أن نظرتُ حتى شعرتُ بالاستياء.. فلو علمتُ لوفّرت على نفسي القيام، ومزاحمة الناس على طاولات الحلوى، والإياب.. فصديقي الهُمام أحضرَ معه كلّ الأنواع الموجودةِ في المكان، وأعتقد أنّه أخذ حتّى من طاولات العباد، وكان طبقي الصغيرأمام طبقيه العامرّين مثل ديكٍ هزيلٍ مبتسم أمامَ عِجلين سمينين يبكيان.

وما أن بدأَ الالتهام حتى دفع برأسه للأمام (لينظر إلى طبقي) ويقول بنبرةٍ قاطعةٍ حاسمة: (يا أستاذ إنت ما بتاكل!! إنت بتتسلّى.. هو ما إنت بصايم؟!)..

سبحانَ الله.. وآخرةُ المقام أنّه شكّك أيضاً بصيامي.. ولو كان مقياسُ الصيّام على ما أفطرَ به صاحبي من طعام، لما كان صائماً أيٌّ من الصائمين الآخرين.. السِمان والناحلين، وكلّ من خاف على بطنه إلى يوم الدّين. والله أعلم (وللحديث شهية)..

*                          *                            *

 م. أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق