سعادة السفير

.كان يقف أمامي قرب أحد الأرفف في السوق.. عمره خمس سنواتٍ تقريباً، ولا تبدو عليه هيئة سكان البلد الأجنبي الذي كنت في زيارته.

كانت عن يمينه أشكالٌ وألوانٌ من الحلوى. اقترب من أحد الأصناف وبيده قطعةً مكسورة من الشوكولا وضعها بسرعة وأخذ أخرى جديدة، وابتسم بخبثٍ لذيذ، ثمّ تحرّك خطوتين فقط.

لم ينتبه لوجودي.. توقف وعاد لينظر إلى القطعة المهشّمة ثمّ إلى التي في يده، وعندما كنت أنتظر (فضولاً) لأرى ماذا سيفعل، كانت عيناً أخرى تراقبه.. عين كاميرا مثبّتة فوق رؤوسنا في (المجمع التجاري الكبير).

وفي لحظة.. قطّب جبينه مثل الكبار وأعاد القطعة الجديدة وأخذ التالفة، وركض باتجاه أخته التي بدأت تنادي عليه من زاوية ركن الحلوى.

وماهي إلا دقائق، حتى التقينا ثانيةً عند طاولات المحاسبين.. وقف مع أخته ووالديه وبدأ عرض الأشياء التي اشترتها العائلة للبائع، وجاء دور قطعة الشوكولا فوضعها على الغطاء المتحرك بحسرةٍ بالغة ووقف ينتظر. ولا أعرف عندها لماذا تحوّل ذلك الطفل الحزين بجسمه الصغير أمامي إلى رجلٍ كبير بقامةٍ طويلة.

لم تعجب الأب وجود هذه القطعة المهشّمة فيما سيدفع ثمنه، فأخذها مستفسراً من ولديه.. ودار حوارٌ هامسٌ بينهم..

كان واضحاً أنّ القطعة تهشّمت بفعل فاعل، وأنّ الطفل هو الفاعل.. انتهى الحوار بأن أعادها الأب إلى مكانها، وربت على رأس ابنه الصغير باسماً.

وقبل أن تمتد إليها يد البائع لحسابها ضمن المشتريات.. وإذا بيدٍ غريبة تلتقطها من أمامه..  كانت فيما يبدو يد مدير المجمع التجاري أو أحد الموظفين الكبار..

أمسكها بحزم، ووقف مبتسماً وبيده علبةٌ مقفلةٌ كاملة من نفس النوع  قدّمها هديةً لهذا الطفل. ووسط دهشة الحضور شرح لنا ما رأى، وسأل الصغير عن اسمه وعن بلده.. شعرت بالفرحة والفخر لأنّه كان عربيّاً ومن بلدي.

لمعت عين مدير السوق، وأحسست بحرارةٍ مفاجئةٍ في عيني.. وبدون سابق إنذار حانت من ذلك الطفل التفاتةٌ، ويبدو أنّه أحسّ بنظراتي الدامعة، فحييته بإيماءةٍ من رأسي وخرجت من فمي كلمات: .. شكراً سعادة السفير.

م.أحمد عزالدين شربك

رأي واحد حول “سعادة السفير

أضف تعليق