باب بيتها الدافئ..

قال محدّثاً نفسه كالمجانين، ولكن بصوتٍ خافت: لن تكوني في طريقي بعد اليوم.. وتلفتّ حوله وسار..

مرّت قدماه كثيراً في هذا الشارع ولطالما أحسّ بالشوق الجارف..

عندما رآها لأولّ مرّة كانت تقترب من ذلك البيت الذي أصبح مقر أحلامه.. فشعر بالذهول. نظرَتْ بالخطأ قبل أن تدخل من الباب لأنّها أحسّت بنظراته.. ورأته.. ولم يعرف حينها إن كانت قد رمقته بغضبٍ أم ابتسمت.. لكنّ وجهها لم يعد يغادر خياله.

لم يكن يعرف الأرق وكانت أمه تقول: عادل ينام سريعاً مثل الأطفال.. ولكنّها وبعد أيام من لقاءه بالفتاة أحسّت بالقلق عندما رأته قبل صلاة الفجر بقليل وعرفَتْ أنّه  لم ينم بعد..

.. وتغيّرت حياة عادل..

تعوّد أن يزور الشارع وأن يمرّر عينيه على الباب.. بابٌ أصبح قريباً من القلب.. فكم على صفحته مرّ وجهها.. وكم دفّأت حديدَه البارد كفُّها  لصغير..

يريد أن يعلنَ للعالم كلّه أنّه يحبّها.. أنّها ملكت حتى أطراف مدائنه، واستولت على عاصمة حكمه، وأذلّت كلّ جيوشه.. وانتصرت عليه.. ولم يكن يعلم في ذلك الوقت أنّه قد يخسر..

شهورٌ طويلةٌ ينتظر كي تنتهي الدراسة ويبدأ عامه الأول في المحاماة.. وشهورٌ طويلة يرى الباب الأثير على قلبه ويرعاه.. وفي مراتٍ قليلة يصادف أن يراها تخرج من البيت إلى الشارع.. لتفرشَ على الرصيف وروداً بيضاء، وترمي بوجهه آلافَ الأميال من الدهشة.. هي نفسها الدهشة الأولى.. وتنير الطريق إلى عالمٍ آخر لا يعرفه سواه.

كم تختلف الحياة حين نعيشها بعيون الأحباب..

والآن وقد اقترب الحلم.. بدأ يشعر بالقلق، ولكنّه سرعان ما بّدده حين تذكّر أمّه الحبيبة.. التي لم يخف الأمر عنها طويلاً..

ولأنّ حلمه الرقيق يسكن في نفس الحي فقد عرفَتْ عائلتها، وذكرت له اسمها والذي أصبح يعيش عليه.. أمل.

ثم زارتهم ونقلت بفيض حنانها لتلك الفتاة رقّة الابن ومحبته.. وكانت لا تعلم أنّها تصل لها أو لا تصل..

ولكنّها شعرت دائماً بأنّها ستصبح ابنتها التي تمنّتها طويلاً.. وزوجةَ ابنها. وكانت تقول له ذلك فتبدّد عنه القلق.

وفي مساء هذا اليوم أصبح كلّ شيءٍ جاهزاً، واجتمعت العائلة الصغيرة.. عمّه الكبير حازم وابنه الطبيب هشام وابن عمه الآخر سعد..

كم تمنّى أن يكون أباه حاضراً.. رحمه الله.

وعندما سأله سعد: هل رتّبتم الأمر معهم؟ قال بثقةِ أمّهِ الطيبة: نعم.. يعلمون بقدومنا.. ثم هرب بوجهه متنحّياً عن نظرةٍ عميقةٍ من الشك..

قبل أن يصلوا للشارع الصغير وجدوه يتأخر عنهم بعض الشيء، ومع الوقت تركوه..

يحبّ أن يمشي هذا الجزء لوحده.. فهي في كلّ يوم منذ شهور.. تقف في طريقه بدءاً من تلك الانحناءة، عندما ينكشف أمام عينيه باب البيت.. يرى خيالها يبتسم ويقترب منه.. ثم تمضي.. ويمضي، وحتّى يتجاوز الباب يبقى طيفُها معه بنفس العيون التي رآها في المرة الأولى عندما نظرتْ إليه بالخطأ وكان مذهولاً بها..

طرق ابن عمّه باب البيت ثم دخلوا جميعاً.. ومرّر أصابعه دون أن يشعر أحد.. على كفّها الصغير.. على الباب الدافئ.

وفيما بعد.. خرج من نفس الباب إلى نفس الشارع..

قال محدّثاً نفسه كالمجانين، ولكن بصوتٍ خافت: لن تكوني في طريقي بعد اليوم.. وتلفتّ حوله وسار.. وفي يده يتألق خاتمٌ أنيق نُقِشَ عليه أحلى الأسماء: أمل..

لن تكوني في طريقي بل بجانبي.. نمشي معاً بكلِّ الأمل.. على طريق الحياة.

م.أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق