تسريحة للمدرسة..

صعدت الفتاة الصغيرة إلى الحافلة في طريقها للمدرسة.. أغلق السائق الباب وانطلق..

وقبل أن تجلس في أحد المقاعد الفارغة ألقت بنظرةٍ إلى البيت.. فلمحت أمّها واقفةً كالعادة خلف الستارة..

كانت تعرف أنّها ستقف هناك حتّى تغيب الحافلة في آخر الشارع، فهي تفعل ذلك مع أخيها الذي يذهب قبلها بدقائق..

كادت أن تقع مع (فراملَ) مُفاجِأة.. وبين ضحكات رفيقاتها وتبادل التحيات تابعت طريقها وجلست عند آخر الممر.. لوحدها هذه المرّة.

التفتت للخلف.. ولكنّ النافذة أصبحت بعيدةً وصغيرة.. وأحسّت ببعض الوحشة..

تقوسّت حول نفسها قليلاً وأحنت رقبتها.. لقد أصبحت في الصف الخامس.. لم تعد صغيرة وينبغي أن تكون قوية..

صوت المحرك يهدر عالياً، ولكنّها تسمع صوتاً آخر.. نعم هو صوتها الذي يوقظها.. أوّل صوتٍ تسمعه في كلّ صباح. وعندما تأتي إلى المطبخ تراها تجهّز رغيف الخبز الملفوف بالجبن أو الحلاوة أو الزعتر.. وأمامه كأس الماء المحلّى بالعسل.. لها ولأخيها..

تحييها فتبتسم أمّها وتذكرّها بصلاة الفجر وتسريح شعرها.. وربطه، وتلحّ كثيراً على ربطه!! ,أن تسرع حتّى لا تتأخر عن موعد الحافلة.

تحرّكت في مقعدها قليلاً وعبثت بياقة القميص المكويّة بعناية.. دائماً تجد ثيابها نظيفة.. معلّقةً أو مطوية في كلّ يوم.. وفكرّت.. لم تسأل نفسها أبداً متى تقوم أمّها بكلّ ذلك! وربما كانت تظن أنّ الأمور تسير دوماً هكذا.. لوحدها..

ماذا لو مرِضَت؟ التفتت برأسها نحو الشارع ورأت بين جموع الناس هاتين الامرأتين، من قد تكون مع أمها العجوز الآن تمسك بيدها، وربّما كانت تعدّ لها الطعام للمدرسة منذ سنواتٍ كثيرة.

تذكرت مرةً أخرى صورة أمّها قبل شهرين عندما كانت مصابة بالأنفلونزا.. لم يمنعها ذلك من عمل كلّ شيء.. وعندما رأتها بعد أن لبست ثياب المدرسة لم تكن في المطبخ بعد.. كانت تكوي قميص المدرسة الخاص بأخيها.. وتضع على رأسها عصابةً بيضاءَ مشدودة.. وبيدها منديلٌ تمسح به أنفها باستمرار..

وتذكرت كيف كانت عيناها محمرّتان.. وهي تصدر نفس التعليمات.. ولكن بصوتٍ مبحوح.

ولأول مرّةٍ في حياة هذه الابنة الصغيرة شعرت بأنّها تعرف الآن كلّ شيء.. وأحسّت دفعةً واحدة كم تتعب أمّها الغالية وكم تحبّها..

تلمّست شعرها بدون أن تقصد فهو جزءٌ من وصيتها..

أحسّت بالرضا.. فهو مُسرّحٌ بعناية.. ومربوطٌ بإحكامٍ ليناسبَ المدرسة، والأهم..

وابتسمت ابتسامةً واسعة وجلست باعتدال.. الأهم أنّ أمّها.. تحبّه كذلك.


م.أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق