قوامها النحيل..

دخل غرفته بعد إفطارٍ سريع، تناول فيه بعض الحساء فقط وقليلاً من العصير.. جلس على فراشه، ووضع فنجان القهوة أمامه على الطاولة الخشبية الصغيرة، وابتسم.

مال بجسده ودسّ يده تحت الفراش.. ثم أخرج لفافةً من العلبة وأشعلها برفق.. ونفث في الهواء خيوطاً من الدخان الأبيض السميك.

نظر إليها من بين أصابعه بشغف.. تأمل قوامها النحيل.. القطن الطريّ في الأسفل، تمرّ عبره نسائمُ التبغ التي طالما دخلت في جوفهِ ساخنةً مثيرة.. وفوقه جسدٌ أبيضٌ ملتف، وفي نهايته جمرةٌ ملتهبة يتطاير منها خيطٌ متراقصٌ كالحلم.

دفعها بين شفتيه برقّة.. وامتصّ من أعماقه جرعةً كبيرةً من الدخان، ثم حبس نَفَسَه ليشعر بكلّ ذرّةٍ تدخل إلى صدرِه، وتمنحه النشوة التي تعودّها عند أوّل لفافةٍ بعد الصيام.. فاهتز رأسه في غيبوبةٍ مؤلمة، وخَدَرٍ غريب.

وخلال بضعة دقائق كان فنجان القهوة فارغاً وبجواره ثلاثة أعقابٍ تحوّل قطنها إلى اللونٍ البنيّ المشوب بالبياض، وكان هو غارقاً يحدّق في الفراغ.. أراد القيام فأحسّ ببعض الدوار واضطّر للإمساك بالمسند الخشبي.

قرعت أخته الباب ودخلت ليستوقفها كما في كلّ يومٍ جوّ الغرفة الخانق.. عتبت عليه، ودعت له أيضاً كما في كلّ يوم.. ثم أخبرته بأنّ صديقاً له قد جاء وهو ينتظره في الخارج.. هَمْهَم بكلماتٍ أنّه سيذهب معه، وغادر على عجل.

*       *       *

عاد للبيت بعد ساعة.. دخل غرفته، وشعر بالغضب فقد نسي فتح النافذة قبل أن يخرج وشعر دون أن يعرف لماذا.. بالحنق على أخته.

ثم بدأ يخطو باتجاه النافذة وذهنه يعمل بطريقةٍ عجيبة.. إنّه يشعربالخلايا الصغيرة وهي تتحرك داخل رأسه، وترافق أنفاسه اللاهثة.

أمسك المقبض وحاول أن يفتحها فلم تستجب.. كان الخشب متماسكاً بين الدفتين.

وقف معتدلاً وضغط قبضته بإحكامٍ مستعداً ليسحب بكلّ قوته، ولكنّه توقف..

مضت بعض اللحظات وكأنّه تمثالٌ ملتصقٌ بالنافذة المغلقة..  أدار رأسه للخلف، فَتاهتْ عيناهُ في ضبابٍ حقيقي جعل ضوء المصباح يبدو باهتاً.. واجتاحت أنفَه فجأة رائحةُ عفنٍ مزعجة.. وبدون أن يشعر نظر هناك نحوأعقاب السجائر على الطاولة..

ترك النافذة المستعصية ومشى نحو الطاولة.. انحنى بجوارها واستند إلى ركبتيه واقترب.. اقترب بعينيه وأنفه وخلايا دماغه.. اقترب وتأمل الأعقاب بعمق، وشمّ عن قرب رائحة العفن.. شعر بالقرف الشديد وكاد أن يتقيأ..

نظر إلى خارج الغرفة خلف جدرانها وشاهد الشاب الذي ينطلق في الحياة كما يحبّ لنفسه أن يكون، لا كما هو المتعَبُ الآن.. ولا كما هو مقيّد.. لهذه القبيحة القَوَام. واتكأ برأسه المخدَّر على الطاولة.. لآخر مرةٍ في حياته.

م.أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق