الشيخ والقصر..

يحكى أنّ رجلاً أخبر إمام المسجد في قريته الصغيرة بأنّه سيذهب للمدينة في عملٍ له. وسأل إن كان له حاجةٌ يلبّيها هناك.

وبعد إلحاح.. طلب منه أن يزور في المدينة شيخه الذي درس على يديه في الصغر، وأن يطلب منه الدعاء.

وفي المدينة.. حرص القرويّ على تلبية رغبة هذا الإمام لما كان له عنده من المحبة والاحترام..

سأل عن العنوان الذي معه فدلّه الناس على قصر.. ظنّ أنّه مخطئٌ. أعاد السؤال، فأعادوه لنفس المكان..

قال في نفسه متحيّراً: إذا كان شيخي لا يمتلك إلا القليل من الدنيا.. فكيف يكون شيخه في هذه الحال من الغنى..!

وقف قليلاً ثم قرع الباب، فأوصله خادمٌ بعد السؤال لقاعةٍ كبيرة، وفيها صاحب القصر مع بعض جلساءه.. وحولهم أثاثٌ جميل، وأمامهم فاكهةٌ وماء.

وبعد أن نال حظّه من الضيافة ذكر حاجته فقال له: أوصه أن يُخرِجَ الدنيا من قلبِه.. ودعا له بخير..

ذُهل صاحبنا وكاد للحظةٍ أن يرد عليه باستنكار شديد، ولكنّ أدبه منعه فخرج من القصر مسرعاً، وعاد لقريته يفكّر فيما بينه وبين نفسه بالادّعاء أنّه لم يَرَه..

وفي فجر اليوم التالي ذهب للمسجد للصلاة، وسلّم بعد انتهاءها على الإمام من بعيدٍ وانصرف مسرعاً على غير عادته.

لحق به إمام المسجد إلى الشارع وسأله إن كان اجتمع مع شيخه في المدينة، فحاول أن يتملّص متردداً خجلاً.. فاستحلفه بالله أن يقصّ عليه ما جرى..

أخبره القرويّ المحرَج بما كان، وأنّه غير راضٍ عن كلام صاحب القصر.. شيخِ شيخه،

وعندما لاحظ صمت إمام المسجد تشجّع وأسهب بأنّه لم يقتنع بكلّ ما رآه وسمعه.. فكيف أعطى لنفسه الحقّ في تقديم نصيحةٍ هو أولى بها.

قال له شيخ القرية بعد آهةٍ من الصدر: صحيحٌ بأنّي أملك القليل من الدنيا كما ترى.. ولكنّي أخاف عليه ولا أطيق أن يزول.. فإذا (لا قدّر الله) انكسر إبريق ماءٍ لي.. فإنّ قلبي ينكسر له.

وأمّا شيخي هذا فقد عِشتُ معَهُ سنين.. ولو أنّه في لحظةٍ خسر كلّ ما حوله لا تطرف له عين.. صدق والله، الّلهم تُب عليّ.. وبلّلت عينيهِ دمعاتٌ سكبها حرقةً على نفسه.

(اللهم اجعل الدنيا في أيدينا، ولا تجعلها في قلوبنا..)

— —

م.أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق