ملأ مكان الضوء المارّ إلى الغرفة ظلٌّ مديد وتتابعت خطواتٌ خلفَه، فالتفت ليستقبلَ آخر القادمين إلى الاجتماع. وبتحيةٍ مقتضبة مكسوّةٍ بالود أشار له بالدخول، وعندما تأكّد من وجودهم جميعاً أقفل الباب وأخذ مقعده قبالتهم.
- – عصيرٌ أم شاي.. أم قهوة؟
تلقّى أنس طلباتهم بترحاب ورفع سماعة الهاتف بجانبه، ثمّ لقّنها لعامل الكافيتريا في الشركة بكلماتٍ خافتةٍ رصينة بينما بدأ مدير الكتّاب إلى يمينه بتوضيح هدف الاجتماع..
- – اليوم سنتناول التطوّر الدراميّ لشخصيّات الجزء الثاني من القصة..
وتابع الكاتب الكبير حديثه بذكر الخطوط الرئيسية للأحداث التي ستتأثر بها تلك الشخصيّات تِباعاً، وبدأ يسمعُ تعليقات المؤلفين المشاركين في العمل واقتراحاتهم، ويلتفت هوَ وهم في كلّ مرّةٍ يصلون فيها لنقاطٍ واضحة لأنس مندوب الشركة المنتجة المستضيفة لهذا الاجتماع.. فيبادر باستحسان الفكرة أو حتى يضع بعض الاقتراحات أو يثير الأسئلة كي يستمر تبادل الأفكار والوصول للنتائج المرجوّة.
وبعد أن انتهى الاجتماع شكرهم الموظف الشاب ورافقهم ليلاحظَ خارج الغرفة أنّ مكاتبَ الشركة خاويةٌ تماماً لتجاوزِهم وقت الدوام بأكثرَ من ساعتين، ولم ينسَ أن يربت على ظهر العامل الذي انتظر لخدمتهم وحده كلّ هذا الوقت، ثم توجّه إلى بيته مسرعاً ليستبدل ملابسه في طريقه للنادي الذي يتدرّب فيه كلّ يوم.
* * *
في صباح اليوم التالي في الشركة كنت في مكتبي أناقش عمليات البيع مع بعض الموظفين وكان أحدهم عبد الله يضغط لتخفيض الأسعار لأحد العملاء بشكل لم أره مناسباً، وشارك البقية وإن كانوا يميلون أكثر لدعمي لاقتناعهم برأيي أو ربّما لأنّي ببساطة مدير القسم وهذا يناسبني بالطبع، عندما سمعت أصواتاً ضاحكة فنظرت عبر الزجاج أمامي، والتفتَ من معي أيضاً لنرى مجموعة من الموظفين متحلّقين حول أحدهم يتبادلون الضحكات فيما يبدو نقاشاً محتدماً حول كرة قدمٍ أو طعامٍ أو أشياءَ أخرى ليس لها أيّة علاقةٍ بالعمل.
كان رأيي دائماً أنّ بيئة العمل المرنة واللطيفة أفضل ألف مرة من تلك المتزمتة أو الجديّة في كلّ الأحوال حتى لو تسبّب ذلك في بعض التقصير غير الضّار.
قال محمّد بجواري باسماً ربّما إنّهم يُعدّون مقلباً لأحدٍ ما ولكنّ الغريب أنّ موظف قسم الإنتاج أنس يبدو منسجماً معهم رغم كونه جديداً في الشركة لم يمض على وجوده أيامٌ قليلة..
ولفت نظري أنّ أنس الذي يتكلم عنه كان فعلاً أحد المشاركين في الضحكات والحركات الطريفة، بينما لا يوحي مظهره الأنيق الملتزم في اللباس بهذه المرونة.
علّق عبد الله على كلام محمد بأنّه لم يعد جديداً تماماً فقد مضى أسبوعان على مجيئه، وخاصةً أنّه يتولى مسؤولياتٌ جديّة في قسمه وكأنّه قديم العهد بهذا العمل.
وبينما كانوا يتحدثون عدت قليلاً نحو سنينَ مضت كنتُ فيها أبدأ حياتي العملية وتذكّرت بعضاً من الصور الجميلة والمتعبِة في آنٍ واحد.. ومرّت رغماً عني ذكرياتُ الجامعة والزواج والأولاد.. لابنتي في عامها الثاني تمسك بيدي وأنا أضمّها بحبٍّ بالغ، ولابني في يومه الأول من المدرسة حين ترك الأساتذة المرحّبين به والتفت إليّ ليشاركني دونهم بلعبةٍ أعطوه إيّاها للتو، ولابني الثالث عندما حملته الممرضة في المشفى أمام ناظريّ رأساً على عقب في يومه الأوّل من الحياة..
كانت الأفكار تتقافز كأنّها حدثت بالأمس فقط، ولكن قاطعها قرعٌ على الباب ليطلّ علينا ضيفٌ مديرٌ لشركةٍ عملنا لحسابهم منذ زمن.. وقد يعاودون العمل معنا من جديد، قمت لمصافحته وترك الموظفون الغرفة لنا، وبدأنا بالحديث.
ومع رائحة القهوة ذكرنا بعض تفاصيل العمل المطلوب، وتحدّثنا قليلاً عن الماضي، وكان هذا تماماً ما ينقصني بعد نهر الذكريات الذي أغرقني قبل قليل.. ليأتي صديقي ويوسّع أكثر مجرى السيل..
وبعد قليلٍ قمت لأعرّفه على الجديد من مفاصل عمل الشركة وتطوّرها، وكنّا نقف كلّ حين عند أحد المكاتب أكلّمه عن الموظف الموجود، وأتركُ له الحديثَ عن بعض الأشياء في عمله بحرفيّة عالية.
وعندما وصلنا لمكتب أنس من قسم الإنتاج وجدتني أقترب من الشاشة التي يعملُ عليها وأبدأ لأوضّح تفاصيل المشروع الذي بين يديه قبل أن يتكلم، ولا أعرف كيف عاجلتني وعادت بشكلٍ صادمٍ صورُ اليوم الأول للمدرسة، ولباس السباحة القصير على ابن الثلاث سنين، ولحظات الفراق قبل سفره إلى الجامعة، ويوم قبوله للتدرّب في قسم الإنتاج خلال الصيف، وأداؤه الصارم والحاني والناجح في نفس الوقت.. وفخري الشديد به.
لم أجد نفسي إلا أن وضعت يدي حول كتف أنس، وألتفتُ إلى مدير الشركة الزائر لأقولَ له: “أمّا هذا الشاب.. فهو ابني”، ثمّ احتضنته مثلما كان طفلاً صغيراً تماماً.. وأمام الجميع تماماً وبدون أيّة حرفيّة.
——-
م.أحمد عزالدين شربك
الله يحميه وتشوفو باعلى المراتب
وباذن الله يكون المستقبل متل ما تخيلت واجمل كمان
ما زال القلم يلمع بين يديك
إعجابإعجاب
آمين ويكونوا أولادنا جميعاً دائماً محفوفين بالخير والعافية والنجاح والرضا من رب العالمين.
شكراً جزيلاً لمشاعرك التي كانت وما زالت طيبة ولامعة..
إعجابإعجاب