نادته أخته من بعيد: تعال يا سعيد، أمّك تريدك..
ترك غرفته وأقبل متوتراً بعض الشيء.. كان يشعر دائماً أنّها تعرف ما يدورُ بباله..
مرّ بأخته وابنها فسألها:
– إلى أين أنت ذاهبة؟ وقبل أن تجيب جاءه صوتُ أمّه من غرفة الجلوس:
– (الله يرضى عليك) اذهب مع أختك للطبيب حتى يرى عمر.. فحرارته مرتفعة منذ البارحة.
جثا على الأرض أمام ابن أخته ووضع يده على جبينه:
– خيراً.. يبدو أنك (تتدلّع).. وضحك في وجهه وداعبه فابتسم الصغير بوجهه المحمّر وشفتيه المتكورتين من شدة الحرارة.
وبسرعة ارتدى ملابسه وغادر معهما، فيما جلست أمّه تدعو لحفيدها الغالي بالشفاء ولابنها الوحيد بالرضا والتوفيق والسعادة.. وكلّ ألوان الهناء في الدنيا والآخرة.. كان يدخل السرور إلى قلبها كلّما أطلّ من الباب، وعندما يداعبها كانت تضحك مثل الأطفال، وهي التي فارقت شفاهَها الضحكةُ منذ أكثر من سنة.. منذ وفاة زوجها رفيق العمر.
* * *
وفي مساء نفس اليوم كانوا يجلسون حول مائدة العشاء وكان يحكي لها ولشقيقتيه ويتندر على تصرفات عمر الظريفة عند الطبيب.. وكيف كان ابن الأربعة أعوام يحاول أن يتصرّف مثل الكبار رغم مرضه العارض.
ثم مرّت لحظات صمتٍ على المائدة، وحاول أن يتحدث بأيّ شيءٍ ولم يفلح..
سألته أمّه فجأة بقلقٍ واضح: سعيد.. ماذا بك؟
حاول أن يكون مستغرباً بابتسامةٍ عريضة: ماذا بي يا أمّي؟.. لا شيء .. وبدأت الابتسامة تختفي قليلاً قليلاً.. ثم صَمَتْ.. كان يعلم أنّها ستعرف كلّ شيء.. فعاد بظهره للخلف:
– أصبح من الممكن أن أسافر..
ابتلعت ريقها بهدوء.. ورسمت ابتسامةً صغيرة على وجهها:
– إلى أين؟… من؟
– إنّها نفس الشركة الهندسية التي أخبرتكِ عنها. (ابتلع ريقَه هو الآخر..)
– لقد اطّلعوا عن طريق مكتب الإشراف الذي يتعامل معي هنا على الدراسات التي نفذتها للأبراج السكنية مؤخراً…
تابع دون أن يرفع نظره عن الأطباق:
– عرضوا عليّ مبلغاً كبيراً.. ومزايا إضافية بالنسبة للسكن والسيّارة.. وأموراً أخرى.
وبينما كانت أخته نوال طالبة الجامعة تتابعه باهتمام كانت أمّ عمر أخته الكبرى تنظر بحزنٍ وشفقة إلى أمّها.. ورأت في عينيها شلالات حزنٍ هادر.. قادمة على الطريق.
* * *
مرّت الأيّام المتبقية على سفره سريعاً مثل كلّ الأشياء التي نفقدها.. وكبرت الأم في كلّ يومٍ منها سنةً كاملة.. كانت تبتسم في وجهه وتضحك ولكنّها تقف بسرعة لتذهب لأيّ سببٍ إلى المطبخ أو غيره كي لا يرى دموعها والتي كانت تأتي بلا موعد رغماً عنها.
(ما أقساك أيتها الدنيا وأنت لا تعرفين الجمع بين السعادة.. وبين الحياة)
– أحسّ أنّني سألغي سفري.
صعقت أخته أم عمر:
– ماذا.. هل جُننت؟.. الآن؟.. لقد انتهى الأمر..!
– هل تظنين أنّني أعمى..؟ ألا تشاهدين أمّكِ كيف تذوي..؟ لن أسامح نفسي إن تركتها تعاني.. ألا يكفيها خسارة أبي؟ وأنا اعمل هنا وأكسب جيداً.. مثل كثيرٍ من الناس أو.. أو حتّى أفضل قليلاً..
– اسمع جيداً.. أنت تبني مستقبلاً أفضلَ لك ولها ولعائلتك القادمة.. وقد تكلّمتُ أنا معها في هذا الأمر وقالت لي أنّها راضية، ولو لم تكن لصارحَتْني بذلك وأنتَ تعلمُ أنّها لا تخفي عنّي شيئاً..
أراد أن يجيب ولكنّه سمع صوت خطوات أمّه قادمةً من المطبخ.. وعندما رأتهما متقاربَيْن أرسلَتْ ضحكةً عذبة، وقالت:
– على من تتآمران؟
– على ورق العنب اللذيذ الذي أشمّ رائحته من هنا.
وهبّ واقفاً يستقبلها ويُجلسها مكانه.. ثم جلس بجوارها على اليد الخشبيّة العريضة للكرسيّ الكبير، وألقى بيده خلف كتفها كما كان يفعل دائماً..
راقبها تعالج عقدة غطاء رأسها الذي أزالته للتو.. وتأمّلَ شعرها الناعم المستسلم لبياض العمر.. وعندما هبّت نسمةٌ قوية من النافذة المجاورة.. أدارت وجهها وأمالته للخلف لتزيح خصلةً شردت إلى عينيها، فلمست بخدّها ذراعه القوية الحنون.. وتوقف الوجه المتعب.
وبدون مقدمات.. وفي لحظةٍ نسيت هذه الأمّ فيها أبجديات الحرص والمجاملات انهمرت عيناها بالدموع، وصارت تبكي وتبكي وقبلّت ذراعه الممدود مثلما كانت تفعل وهو صغيرٌ في حِجرها..
وكأنّها تذكّرت وخجلتْ من نفسها.. فقامت مثل لمح البصر لتخلّف ورائها ابناً متجمداً في مكانه تأكّد تماماً أنّ الحياةَ بكلّ مالها وبكلّ ما فيها.. صغيرةٌ جداً، ولا تساوي دمعةَ حزنٍ واحدة.. من قلبِ أم.
ولم يسافر.
* * *
م.أحمد عزالدين شربك