نظراتٌ فاتنة..

ابتسم وتابع الرسم.. كانت طرفةً موفّقةً من ابنه الصغير.. وصدح على الفور صوت زوجته:

– الحمد لله أنّنا رأينا هذه الابتسامة أخيراً.. أكلّمك يميناً وشمالاً وتبقى العقدة في وجهك، بينما بكلمتين منه يضحك سنّك..

– هل يعقل أن تغاري من ابنك..!

– ابني خالتي أيّ انسان.. متى ستفهمني؟

أوقف الفرشاة في يده.. كان يرسم بها ظلاً خفيفاً لقطعة خشب في مرفأ، ونظر إلى زوجته بفراغ صبر:

– لا يفهم المرأة إلا المرأة، ونبقى نحن الرجال تماثيل للرشق بالطماطم والاتهامات.

تهيّأت بجسدها كلّه قبل أن تجيب لكنّ (ابنه الصغير) نادى أمومتها برقّةٍ وعتاب:

– ماما أرجوكِ..

– نعم معك حق لا فائدة.. تعال نترك له المرسم واللوحات التي يحبّها ربّما أكثر من سكان البيت.

تجمّد الزوج المنبهر دائماً بالألفاظ الشائكة التي تأتي بها زوجته والتي تنطلق بسرعةٍ وغزارة ولا تتيح له فرصةً للرد.. أو التفكير بالرد.

– إنّها موهوبة.. (فكّر بصوتٍ مسموع): لا بدَّ أنّها موهوبة.. يجب أن أشجّعها على دخول الألعاب الأولمبيّة.. ويبدو أنّني سأصبح رساماً مجنوناً.. فأنا الآن أتحدث مع نفسي.. وغداً سأتكلم مع الريشة و..

وقطع كلامَه صوتُ قرع الجرس في الأسفل.. تشاغل عنه وتابع تظليل الأخشاب في لوحته التي شارفت على الانتهاء..  كانت الأمواج التي رسمها عالية والمرفأ الصغير صامدٌ لا يتأثر..

– لن تتغير أبداً.. منذ تزوجنا وهي شديدة الغيرة.. تريدني لها فقط وفي كلّ وقت.. ما ذنبي أنا إذا اتصلَتْ إحدى طالباتي..! أقسمتُ لها أنّني طلبتُ مراراً وتكراراً أن لا يتصل بي أحدٌ في البيت ولم أعط رقم هاتفي لأيّة طالبةٍ أو حتّى طالب، قالت أنّها كانت (تتغنّج) على الهاتف.. وما ذنبي أنا..! وأنّه كان يجب أن أغلق السمّاعة بسرعة..

– إنّها لا تتفهّم أننّي أستاذ هذه الفتاة ولستُ.. ولكن ماذا أقول طار صوابها طبعاً ولمّا قرّرَتْ أن تسمعَ وتفهم.. كنتُ قد استنفذتُ كلّ طاقة الصبر عندي، وماذا فعلْت..! لقد ظهر الاستياء على وجهي فقط.. أليسَ هذا من حقّي..! إنّها لا تقيم وزناً لكيان الزوج.. الشريك.. تتكلم بعصبية وكما يحلو لها. صحيحٌ أنّ هذا لا يحدث كثيراً ولكنّها تظلمني بشدّة عندما تُثار غيرتها.. وتُشعرني وكأنّني في سجن.. يجب أن أجد حلاً لهذا السخف.. فالأمر أصبح لا يُطاق.

وسمح انتهاء الفقرة في أفكاره بأن يلاحظ همهمات ومحادثةٍ تحت نافذته.. أنصت جيداً.. إنّه صوت زوجته.. وتوقفت الريشة مرةً أخرى في يده. أنصتَ أكثر.. سمع صوت رجل.. لم يفهم العبارات ولكنّه عرف المتحدث.. إنّه أجيرُ جارنا البقّال المثقّف.. ضحك في سرّه: الأجير هو المثقّف وليس البقّال.. مثقّفٌ وحسنُ الهيئة.. إنّه خطِرٌ على النساء.. لقد سمع من جاره عبد الرحمن أنّه لا يسمح لابنته بالشراء من هناك فهو يخشى عليها من حديثه المعسول ونظراته التي تعجب الفتيات..

أنصت مجدّداً ومطوّلاً فلم يسمع صوت أيّ حديث.. لماذا لا يتكلّمان؟ ماذا يريد منها؟ ولماذا كلّ هذا الوقت.. هل يرسل إليها الآن نظراته الـ..؟

سمع صوت ضحكةٍ خافتة.. إنّها زوجته.. تضحك!.. أصبح كلّه فجأة أذناً كبيرة.. هذه ضحكةٌ أخرى وجُنّ جنونه..

رمى الأستاذُ الهادئ فرشاةَ الرسم وقفز بأوسعِ خطواتٍ عرفها في حياته، وكاد أن يسقط مرتين على الدرج، ومع صرخةٍ مدويّة لم يعرف كيف وصل لزاوية الصالة المؤدية إلى مدخل البيت ووقف مذهولاً..

كان الباب مقفلاً وزوجته جالسة على الأريكة تحدّق فيه.. وقد تجمّدت بيدها سماعة الهاتف..

أدار نظرَهُ ثانيةً باتجاه المدخل ليجد أكياساً من الخضار والفاكهة تذكّر أنّه هو من طلب من البقّال إحضارها..

حاول أن يتكلم.. فلم يستطع.. تنفّس بعمق وذهبَ إليها.. أخذ السمّاعة بعيونٍ ثابتة وأقفل الخط بهدوء.. بينما صديقتها على الطرف الآخر تكاد تبكي وهي تنادي: ألو ألو أين ذهبتِ.. كان يحتاج للكثير من الوقت ليقول لزوجته أنّه قد فهم لماذا تغار..

وليقولَ لها.. بأنّه يُحبّها كثيراً.

*                          *                            *

 م.أحمد عزالدين شربك

رأي واحد حول “نظراتٌ فاتنة..

أضف تعليق