تلمّس طريقَه بين دروبٍ وعرةٍ تكادُ تضيق عن مساحة القدمين، وأنصت لصوت الموج البعيد.. ذلك الصديق.
كان يصعد ويصعد حتى امتد السهل أمامه وبعده ذلك اللون الأزرق الحالم.. لون البحر والسماء.
نظرةً واحدةً وطويلة ألقاها خلفَهُ على المدينة.. أكوامٌ من الحجارة والطين والحديد تدخل في كلّ شيء.. البيوت والناس والطريق، كلّها من حجارةٍ وطينٍ وحديد..
ترك خلفه فيها زوجةً دائمة الحزن.. وأمّاً تسأل الله أن يفرّج عن ولدها ليلَ نهار.. ولدها الأصغر الذي تزوج منذ عشر سنين ولم يشأ له الله أن ينجب الأطفال.
كان قد ترك سيارته الجديدة في أسفل الطريق.. عندما امتلكها ظنّ أنّ السعادة تغلب الحزن، وبعد ساعاتٍ قليلة عاد لما كان يردده دائماً بأنّ الحزنَ أعمقُ شيءٍ في الحياة.
بدأ بالنزول نحو الشاطئ وأفكاره تصرخ.. ولدٌ واحدٌ يا رب.. منذ سنينَ وهو يسمع أصوات الأطفال في كلّ مكان، وفي بيته الواسع والفارغ كان في كلّ غرفةٍ همسٌ عجيب رغم كلّ السكون.. يلتفت حوله مثل المجانين ويبحث عن الطفل الذي ينادي.. بابا.
ترك الحدائقَ العامة وصارت زياراتُه قصيرةً لكلّ من يعرف.. من الأطفال، وعندما يأتي ابنُ أخته المدلّل حسّان كان يترك للهاتف أو لأيّ شيءٍ أن يشغلَهُ عنه، ولكنّ حسّان اليوم أصرّ أن يجلسَ في حضنه.. حاول التملّص منه بضحكةٍ ومداعبة، ولكنّه تسلّق مع ابتسامة أمّه الممزوجة بالحسرة.. تسلّقه بأذرعٍ مُحبِّة فوجده قرب كتفيه.. وضع يده خلفه فتعلّق الطفل برقبته وضمّه إلى صدره وكأنّه أحس بحاجته للمسة طفل.. نسي أن أخته ترمقه بعينٍ دامعة وضمّه بشدة، فاحترق في داخله عشر براكين، وكاد أحدها أن يفجّر دمعاً طالما وقف له بالمرصاد لأنّ البكاءَ كما يقول دائماً.. لا يليق بالرجال.
من بيت أخته ذهب ماجد إلى البحر يحمل حزنه بين عينيه الساخنتين.. وصل إلى الشاطئ ولم يتوقف.. لم يعرف كيف يلقي على قدميه الأوامر.. بدأ الماء يتسرب ويزداد.. والرمل المندفع يدغدغ أصابعه..
كانت لحظةً غريبة.. لم يعد يسمع شيئاً.. غامت صورة الأفق.. وظهرت أمّه وهي تداعبه صغيراً، ولأولّ مرة يرى طفلاً يشبهه، وأمّه شابةٌ صبيّة..
أغمض عينيه.. فابتعدت أمّه وجاءت شريكة العمر تغمِس رأسها ضاحكةً مشرقة في أحضان هذا الطفل.. زوجته كما كانت تضحك منذ سنين.. وانهمر الدمع..
بكى بحرقة كلّ المحرومين، وانحنى جاثياً ليسقيَ الماءُ المالحُ وجهَهُ من الموجِ الغاضب. ومن عينين لم تعرفان من قبلُ البكاء.. جاشَ صدره المهتز وأخرج كلّ ما فيه من لوعة.. وبكى كما لم تبك كلّ النساء..
عاد إلى سيارته مبللاً يتسرب الهواء بارداً حوله من كلّ مكان.. وعندما لمس المقود وأدار المفتاح لم يكن في أذنيه إلا صوت الموج وقرارٌ عميق بأن يعود للبيت رجلاً آخرَ غسلته الدموع.. رضيَ بقضاء الله وعرف أخيراً حلاوة الصبر.
* * *
(هذا ما كان من حال ماجد في السابق في بعض الأوقات وليس جميعها.. عندما يزداد به الشوق فيجرفه وينسى ما أعطاه الله من نعمٍ كثيرةٍ مختلفة قد لا يملكها غيره ممّن حظيَ بنعمة الأولاد، وأنّ لله حكمة بالغة في مسير حياة كلّ انسان سيأتي عليه يومٌ ما ويعرفها مهما كان)
* * *
م.أحمد عزالدين شربك