هل لأحدٍ أن يجيبني أين ذهبت الأخلاق؟
هل من يذكر لي ولو.. تلميحاً لعنوان؟
أنت!! نعم سيدي.. تقول من هنا! شكراً شكراً..
واتجهت من فوري إلى حيث أشار فوجدت أنّي في زقاقٍ ضّيق آخره مسدود، وقبل نهايته بوّابةٌ صغيرة.. وصلت إليها وقلت في نفسي إنّ الباب صغيرٌ لا يكفي لمرور كلّ تلك الأخلاق التي ذهبت!
دفعت الباب بحذرٍ شديد فوجدت المكان مُعتماً، ولمحتُ بصيصَ ضوءٍ من بعيد.. تحسّست طريقي وإذا بي أدوسُ على شيءٍ طري كأنّه جسم أفعى أو.. أو فراشٌ ناعم فارتعدت!! وقفزت من عليه للأمام لأجد غيره ثم غيره! وهالتني أصواتٌ تتصاعدُ من تحت أقدامي!! آهاتٌ مكبوتة.. كان الضوء يقترب.. وأنا أكاد أتعثّر راكضاً والصوتُ يزداد..
استجمعت قوتي وقفزت باتجاه الضوءِ لأصطدم بجدارٍ من الظلام!! آه ه.. هذا الضوء يأتي من الخارج، من نافذةٍ صغيرةٍ جداً لا يمكن ان أخرجَ منها.. لا يكاد يدخل فيها حتى رأسي!!
حاولت أن أعرفَ أين أنا، فداهمني خوفٌ شديدٌ لصوتٍ من خلفي يقول: من أنت؟
التفت فزعاً.. وخرج مني الكلام بصعوبة وسط هذه الأنّات الكثيرة: أنا.. أنا كنت.. كنت أبحث عن الأخلاق ودلّني شيخٌ كبيرٌ إلى هنا..
ضحك الصوت وسكتت فجأة كلّ باقي الأصوات.. ثمّ قال برقّة: لستَ الوحيد الذي تبحثُ عنها.. واقتربَ مني مصدرُ الصوت ليطرحَ نورُ النافذةِ بعضاً من الصباحِ على وجهه، وليظهرَ لي الشيخُ نفسُه الذي دلّني على المكان.. نظر إليّ بهدوءٍ وأكمل: ولكنّي أحسست كم لديك من لوعةٍ وحزن فجئت بك إلى هنا وسأشرح لك الآن جوابَ السؤال..
يا بنيّ تسكن الأخلاق في القلوب، فهي بيتها وراحة نفسها.. فإن دخل إلى القلوبَ حبُّ الدنيا والشهوات ووسوسة الأهواء.. والغرور والكبر والبغض والرياء.. زاحموها في بيتها حتّى يطردوها أو يطردوا منها.. كلّ ما استطاعوا منها. فتراهم راحلين.. الرفق والإيثار والحِلم.. الإخلاص لله والتواضعُ والحياء.. راحلين يحملون حزنهم بين أيديهم على ذلك القلب.. وعلى صاحبه الذي قد لا يشعرُ أنّها تسربت، لأنّه كان مشغولاً بغيرها من الأوهامِ الأشياء.
وقد يظنّ إذا سأله سائلٌ عنها أنّها ما زالت في بيتها محفوظةً ومصانة، يشعر ربّما بفقدانها ولكنّه يبرّر بعنادٍ أحمق لا يستند فيه على الأخلاق التي فيه.. لأنّها تكون قد رحلت أو تكاد. ولكن.. لو توقف للحظة.. وفكّر للحظة.. فسيجدُ الجواب وسيعرفُ الحقيقة رغم كلّ الأعذار التي قد يرميها عليه غيرُها ممّا سكن قلبه وتعلّق به.. وسيرى في نفسه ما فقدت أو تفقدُ من القيم الهامّة والغالية والتي تحدّد قيمته هو عند الله.
وأخيراً يا بنيّ عندما تخرج الأخلاق من القلب تلتقي في الطرقات بغيرها وقد طُردوا مثلها من القلوب فتصبح حزينةً أكثرَ وأكثر على أمّةٍ هم فيها أملها وغدها، ويبدأ أنينهم يتعالى..
يأتون إلى هنا.. يتألمون ويبكون.. وكما ترى مازال بعض النور في المكان.. ولم يضع الأمل بعد، ولكنّ القلوب.. فقط القلوب هي الحَكَم وأصحابُ القلوب هم الأمل.. والله المستعان.
وخرجت من المكان أُمسكُ صدري بيدي وأتلفتُ حولي.. فأنا أظنّ (أو أتمنى) أنّ من تخصني لم تهرب بعد من جسدي.. أحبّها ..ويحبّها كلّ غيورٍ على نفسه وعلى أهله وأمته.. ولن نتركها تغادر إلى ذلك المكان المظلم.
* * *
م. أحمد عزالدين شربك
جميل
إعجابإعجاب
شكرًا أختي عبير أهلاً وسهلاً ومرحباً..
إعجابإعجاب