سافرت في الأسبوع الفائت مستقلاً للقطار.. في عربةٍ واسعة مخصّصة للعائلات، وكنّا جميعاً منشغلين بضبط الأطفال.. والأماكن والأمتعة.
كانت الوجوه متنوعة بين التجهّم والابتسام، ولكنّها متوترة بشكلٍ عام.. ربّما بسبب أعباء السفر قبل أيام الإجازة، أو لما يحدث عادةً عند وداع الأحبة.. أو فقط من توتر الحياة.
بدأ الصغار يتبادلون الابتسامات.. ويقلّصون المسافات سريعاً. وببساطة.. انتقل ابني الأصغر لمقعد إحدى جاراته، ربّما ليناقشا شؤون الأباء والأمهات.. والحياة قبل المدرسة، ثم جلسا يرسمان على أوراقٍ صغيرةٍ لاصقة.
جاءا بعد قليل يقدّمان لي ورقةً فيها بناءٌ طويل بنوافذَ مدوّرة.. وشمسٌ وزهرة، وورقةً أخرى فيها فتاةٌ صغيرة وبجانبها وجه على شكل قلب.. له عينان كبيرتان وابتسامة.
ضحكت من قلبي وشكرتهما ووضعت الورقتين في جيبي، وما هي إلا دقائق حتّى انهالت عليّ اللوحات الفنيّة من كلّ حدبٍ وصوب.. منه ومنها بفرحٍ ولهفة.
وفي نفس العربة.. وأمامي مباشرةً جلس زوجان شابان ومعهما طفل، هو الأصغر بين الموجودين.. مازال يتعرف على خطواته الأولى بين يديهما.
ومع الوقت اتسعت مساحة الود، وبدأ الطفل بالحركة أبعد.. يبتسم لهذا ويضحك لذاك، وبينما كان أبوه يراقبه بحرصٍ شديدٍ في البداية.. تركه قليلاً مع محبة من هم حوله صغاراً وكباراً.. يضحكون لضحكه ويتابعونه باهتمام.
وللحظة تركتُ كتاباً كان بيدي ونظرت للوجوه.. بسرعة، وكم كان رائعاً ذلك الإحساس العام بالسعادة التي كانت تغمر الجميع.
وعندما بدأ القطار يدخل لضواحي المدينة عاد توتر الحياة يلوّن الوجوه الكبيرة، أمّا الصغار فكانت الفرحة تنطق على وجوههم كما العادة عند كلّ جديد.
انتهت الرحلة.. ونزلت مع عائلتي من القطار.
أمسكت بيد ابني الصغير نكتشف أياماً جديدة، وباليد الأخرى تلمّست في جيبي أوراقاً صغيرة فيها زهرةٌ جميلة، وشمسٌ وقلب.. فالتفتّ إلى الخلف، لتلك العربة الواسعة، ولمعت في عيوني وستبقى.. عيونُ طفلٍ تبتسم وتضحك وتوزّع الحب.
* * *
م.أحمد عزالدين شربك