افتتاح ساخن.. ٢

(ملخص الجزء الأول: افتتح المحقق هاني والمحامي حازم مكتبهما للتحريات الخاصة وكانت قضيتهما الأولى متعلقة بترويج المخدرات حيث وجدت الشرطة ليلاً.. رجلاً مخدراً بعيداً عن الشبهات في حديقة عامة وعليه بعض آثار الدماء وفي دمه آثار للهيرويين وأُحيلت القضية لقسم مكافحة المخدرات وللمحقق الخاص هاني الذي قابل الرجل المستهدف في المستشفى وعرف أنه اصطدم بفتاةٍ غريبة في طريقه إلى الحديقة كما علم أنّ الشرطة وجدت شعرة نسائية عالقةً على يده.. وقرّر أن يبدأ تحركاته)

*                  *                  *

لم يمنح الحلاّق عبد السلام دخولَ المحقّق هاني اهتماماً كبيراً، وظلّ يثرثر مع زبونه الجالس على كرسيّ الحلاقة حول الرجل المقتول في الحديقة.. وعندما حان دوره التفت إليه هاني متصنّعاً للحذر: يبدو أنّك كنتَ تعرفُ الرجلَ تماماً!

– نعم يا أستاذ كان من زبائني.. ثم وضع القميص الأبيض حول كتفيه واقترب من رقبته قليلاً ليضبطَ الربط بإحكام، وهمس بفخر: لقد رأيته قبل أن يموتَ بقليل.

انتظر هاني قليلاً حتى عاد إليه الحلاق ممسكاً ببخّاخ الماء والكولونيا فقال بصوتٍ منخفضٍ أيضاً: قد تكونُ رأيتَ رجلاً يشبهه.. ثمّ كيف تعرف أنّه قد مات؟

أجابه بصوت تهكميّ: أنا أعرفه تماماً.. يأتي دائماً في كلّ ليلة.. وقد مرّ من هنا عندما كانت زوجتي تكلمني على الهاتف في الحادية عشرة والنصف ليلاً وتخبرني بقدوم ضيوفها، وقلت لها أنّ الوقتَ متأخرٌ للزيارات وبالطبع لم تهتم.. وطلبت أن أرسل لها بعض الفطائر والمثلّجات.

استمع هاني بصبر مستسلماً للمقص الذي يصدح في شعره القصير أصلاً.. وتابع عبد السلام:

– وبعد ذلك يا أستاذ وجده الحارس قبل إغلاق الحديقة في منتصف الليل.. كان ميتاً بالتأكيد.. لقد رأى الدماء بعينيه على قميصه.. وقد أخبر الشرطة.. والحارس كما تعرف.. لمن يأتي ليحلقَ له مجّاناً؟

عاجله هاني بابتسامةٍ ماكرة:

– لقد ألقى عليك إذن تحية المساء ثم ذهب ليموت.. هذا سيدعو زبائنك للتفكير كثيراً قبل أن يسلّموا عليك..

ارتسمت معالم حزنٍ سريعة على وجه الحلّاق وظهرت لأوّل مرّةٍ معالمُ انسانٍ حكيم وقال:

– نعم هذا محزن.. كنت أتمنى أن أتمكن من وداعه، ولكنّه كان مشغولاً بالأمس كما يبدو.. لو كان يعلم أنّه سيموتُ بعد قليل لترك الانشغال بهذه الدنيا.

تأمل هاني وجه الحلّاق بتركيزٍ شديد ثم قال برقّة:

– كنت أداعبك يا رجل.. وعلى العموم يبدو أنّ لديك استنتاجات ذكيّة فعلاً.

أمال الحلاق رأس هاني بلطفٍ أكثر وقد أعجبه هذا الإطراء..

همس هاني: لقد سمعتُ أنا أنّ.. أنّ فتاةً ترتدي نظاراتٍ غريبة كانت قريبةً منه قبلَ ذلك بقليل..

توقف عبد السلام ويده متشبّثة برأسِ هاني المائل:

– هل تقصد الدكتورة سمر! لا لستُ متأكداً.. لا يجوز أن أتكلمَ بما لا يليق.. كما أنّي لم أرها منذ أيام. لا لا يجوز.

وهنا صمتَ الزبونُ المحقّق، واستغرق في التفكير بينما وجهه تتصارعه الجهات الأربعة بين يديّ الحلّاق الحكيم.

*                  *                  *

قرع العم فهيم الباب ودخل ليجمع كؤوس الشاي، وانتزع بلطفٍ من يد المحامي حازم ملعقة السكر.. فهي لا تستخدم للرسم على زجاج الطاولة.. وبين نظرة عتابٍ وابتسامة.. مرّت منشفته السريّة الصغيرة والتي تظهر دائماً في الوقت المناسب لتمسح آثار الشاي القليلة..

ويبدو أنّه دخل خلال لحظاتٍ من الصمت وعندما غادر وأغلق الباب خلفه قال حازم: وماذا لو كانت الصيدلية وكراً لتوزيع المخدرات؟

هاني: كلّ شيءٍ ممكن.. فمنذ أن عرفوا عن تلك الصيدلانية يقوم عملاء مكتب مكافحة المخدرات بالبحث عنها وعن مندوب بيعِ أدويةٍ كان يتردد على الصيدلية كثيراً كما ذكر العامل ولم يجدوهما في أيّ مكان معروفٌ لهما طوال هذا اليوم.. وبالمناسبة ما نتائج تحرياتك عن السيد مروان؟ وعن مصدر أمواله؟

– حقيقةً لا أعرف لماذا نتحرّى عنه!

– تعوّدت أن أتحرّى عن موكلي أكثر من المشتبه بهم فينبغي أن تبدأ الخيوط من عنده.

أومأ حازم موافقاً أو مستسلماً وقال: لقد أجريت بعض التحريّات بنفسي وساعدني زياد الذي كان يعمل معي في شركة المحاماة..

– زياد! كيف؟

– لقد ترك العمل عندهم أيضاً.. أنت تعرف مكاتب المحاماة الكبيرة إنّهم لا يهتمون بالأشخاص فعندهم الكثير من طلبات التوظيف ولا يكترثون لمن يريد تطوير دخله أو منصبه.. وهم لا يقومون بذلك لأحد. وكما لم يعد يناسبني الأمر وبدأت معك هذا المشروع، يبدو أنّه لم يكن يناسب زياد أيضاً، وقد وافقوا ببساطة على استقالته رغم أنّ علاقاته متنوعة ويقوم كما تعرف بالكثير من الأعمال التي لا يستطيع غيره أدائها.

– نعم إنّ من لا يحبون تبذير الأموال على موظفيهم لا يحبون الأذكياءَ منهم عادةً.. المهم.. ماذا وجدت.. وجدتما؟

– ليس الكثير.. يبدو أنّ السيد مروان رجلٌ عاديٌّ محظوظ.. ورِثَ أموالاً كثيرة بعد وفاة عمّه العجوز منذ سنتين.. وانتقلت له ولأخته المهندسة العانس الوريثان الوحيدان.. ملكية بعض العقارات إضافةً لشركةٍ صغيرةٍ تبدو ناجحةٍ للتجارة والمقاولات.. وبينما تركت أخته وظيفتها الحكومية وتولّت إدارة تلك الشركة حتّى الآن، فقد استمر هو في عمله كمحاسبٍ في وزارة الأشغال العامة نهاراً.. وفي مختبرٍ للتحاليل الطبيّة مساءاً.. وبالنسبة لحياته الشخصية فهو يعيش مع أخته في منزل العائلة.. ويبدو أنّه كان يستعد لإنهاء عزوبيته الطويلة..

– وكيف علمتَ بذلك؟ هل هناكَ أيّة تفاصيل؟

– عرفتُ أنّه تقدّم بإجازةٍ طويلة من عمله في الوزارة من جهة، وتفقدّ زياد بعض البيانات فعرفنا من جهة أخرى أنّه حجز لرحلةٍ لشخصين إلى مدينة كوالالمبور وأجرى أيضاً بعض الحجوزات في الفنادق في أكثر من مدينةٍ ماليزية.. وبالتحرّي عن اسم المسافرة معه تبين أنّها طالبةٌ جامعية تصغره كثيراً وتقوم بمشترواتٍ عاجلة فيما يبدو استعداداً للزواج.

– هل هذا كل شيء؟

– نعم.. تقريباً.. آه نعم.. هناك معلوماتٌ حصل عليها زياد عن مبالغَ غير معتادة على حسابه تم تحويلها له مؤخراً..

التمعت عيون هاني وسأل: كيف حصل عليها؟ أقصد على المعلومات؟

ابتسم حازم بمكر: كما قلت لك يقوم زياد بأعمالٍ كثيرة ومنها التسلل إلى بعض الأماكن والحواسب.. ولكن بدون أن يقوم بأفعالٍ سيئة.. تستطيع القول أنّه يملك موهبة يستخدمها للأغراض الشريفة.

أغمض هاني عينيه باسترخاء وعاد بكرسيّه إلى الوراء.. وغمغم بسرور: لقد بدأتُ أحبّ خدمات السيد زياد..

– هل أحضره لتراه؟

– لا على العكس.. من الأفضل لنا أن يكون ارتباطنا به حسب المهام فقط وخارج المكتب وحيث لا نريد أن نظهر نحن.. إنه شيءٌ رائع، وبالمناسبة.. هل تسدي لي خدمة؟ أريد أن أكلّف صديقك هذا بمهمةٍ خاصة.. وليليّة.

*                  *                  *

– أخبرني يا سيد مروان.. أنتَ تملك حصةً كبيرة في شركةٍ للتجارة والمقاولات، وتعمل صباحاً كمحاسبٍ في وزارة الأشغال حتى الساعة الثانية ظهراً، وتقوم على حسابات مخبرٍ للتحاليل الطبية مساءاً.. فهل تعاملتَ مع جهةٍ ما جديدة مؤخراً، وخاصةً في أعمالك الشخصية؟

تغيّر وجه السيد مروان وقال بحزم: اسمع يا أستاذ هاني.. عندما وافقتُ أن تتولى كشفَ غموض هذا الموضوع حسب رغبة المفتش جابر فذلك لأننّي لا أحبّ العنف والشرّ بشكل عام.. وخاصةً عندما عرفت أنّ في الأمر ترويجاً للمخدرات..  ولكن بالنسبة لي شخصياً فالموضوع أبسط من ذلك ولم يحدث والحمد لله ضررٌ كبير.. ولا أريد أبداً أن يقترن اسم الشركة أو المختبر في التحقيق، فهي أماكن عمل تعتمد في نجاحها على السمعة الطيبة.. ولن أقبل أن أفسدها أو أن يؤثر عليها هذا الأمر.

قال هاني بهدوء: يبدو أنك لا تعرف أنّك قد تكون مستهدفاً.. فالأمر ليس بتلك البساطة.

– مستهدفاً!.. كيف؟ أنتَ تبالغ.

– لا لست أبالغ، فمن حقَنَك بالهيرويين الصافي كان يريد قتلك، ولو لم تقم أنت بمقاومته بحركة مقصودة أو غير مقصودة وخرجت تلك الإبرة بعنف لما وجدنا نقاط الدم على يدك وملابسك ولما كنت تتكلم معي الآن..

ابتلع السيد مروان ريقه وانسحب اللون الأحمرمن وجهه للحظات ثم قال:

– يبدو أنّ الموضوع أخطر مما توقعت..

– نعم من الأسلم أن نفترضه كذلك.

– حسناً.. اسأل ما يحلو لك.. ولكن هل أنت متأكدٌ مما قلته؟ هرويين صافي! ولكن لماذا؟ كما أعلم أنا وبالتأكيد أنت والكثيرون أنه غالٍ جداً، وأنا.. أنا ليس لي أيّ أعداء..!

هاني: هذا ما نحاول أن نبحث عنه، والآن أجبني على أسئلتي.. ماذا عن العملاء الجدد؟

رضخ السيد مروان وقال: لا.. لا يوجد لديّ عملاء جدد.. أتعامل فقط مع حسابات قسم التجارة الخارجية في وزارة الأشغال وحسابات عملاء المختبر الاعتياديين.. أنت تعلم.. موردي الأمصال والتجهيزات إضافة لحسابات المرضى.. وبالنسبة للشركة فأختي تتولى كلّ العمل والذي لا أعلم عنه شيئاً.

– وماذا عن الأموال التي دخلت في حسابك مؤخراً؟

– إنّها عائداتٌ خاصة بحصتي في الشركة.

لم يدرك هاني مباشرةً ماذا حدث ولكنّه لم يكن مسروراً بهذا الجواب فغيّر الموضوع تماماً:

– حسناً أستاذ مروان.. قل لي.. متى تغادر عملك مساءاً؟

– بين الساعة العاشرة والحادية عشرة وأتجه في معظم الأيام إلى حديقة السبكي فهي قريبةٌ من عملي لأتناول عشائي فيها ثم أعود لأنام في البيت الذي يبعد شارعين فقط..

– ولماذا لا تتناول العشاء في البيت.. مع أختك؟

هزّ مروان كتفه بلا مبالاة: لا شيء.. عاداتنا تختلف كثيراً هي تنام باكراً وأنا أحب السهر، ولكنّي أنام بعد الظهر.

أخرج هاني صورةً من جيبه وعرضها عليه: هل تذكر أنّك رأيت هذه الفتاة سابقاً؟.. هل هي التي اصطدمت بك؟

قال مروان بسرعة: نعم إنّها هي.. إنّها نفس الفتاة المجرمة.. هل أمسكوا بها قل لي رجاءاً؟

أعاد هاني الصورة إلى جيبه بهدوء قائلاً: لقد عرفوها على الأقل.. وهم يبحثون في كلّ مكان محتملٍ مرتبطٍ بها.. أو بك.. وماذا حول هذا الرجل؟

تأمل مروان الصورة الجديدة ثم قال بإصرار:

– لا.. لم أره سابقاً، ما علاقته بالأمر؟

– يمكن أن يكون المروّج الرئيسي.. وقد تكون له علاقةٌ بما حدث لك..

ثمّ تابع بخيبة أمل:

– كنت أتمنّى حقيقةً أن تتعرف عليه.. ولكن لا بأس.. عموماً سيد مروان ستخرجُ غداً من المشفى.. أرجو أن تكونَ في غاية الحذر.

– نعم هذا ما يبدو.. شكراً لك أستاذ هاني.. أنا أقدّر كلّ ما تقوم به.

ولم تمض بضعة دقائق حتى كان المحقّق الخاص يغادر المستشفى وفي جيبِهِ شيك بمبلغٍ محترم من رجلٍ ثريّ.. فقدَ منذ قليلٍ على يدِهِ شعوراً غالياً بالأمان.

– نهاية الجزء الثاني –

*                  *                  *

م.أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق