(ملخص الجزء الأول: افتتح المحقق هاني والمحامي حازم مكتبهما للتحريات الخاصة وكانت قضيتهما الأولى متعلقة بترويج المخدرات حيث وجدت الشرطة ليلاً.. رجلاً مخدّراً بعيداً عن الشبهات في حديقةٍ عامة وعليه بعض آثار الدماء وفي دمه آثارٌ للهيرويين. وأُحيلت القضية لقسم مكافحة المخدرات، وللمحقق الخاص هاني الذي قابل الرجل المستهدف في المستشفى.. وعرف أنه اصطدم بفتاةٍ غريبة في طريقه إلى الحديقة، كما علم أنّ الشرطة وجدت شعرة نسائية عالقةً على يده.. وقرّر أن يبدأ تحركاته)
(ملخص الجزء الثاني: وصل المحقق هاني لاسم الفتاة المحتمل تورطها في القضية من حلاقٍ يعمل في نفس المنطقة.. وعرفت الشرطة أنّها صيدلانية وأنّها اختفت منذ الحادثة مع مندوبِ دواءٍ كان يتردد عليها كثيراً.. وتمّ الكشف عن معلوماتٍ تتعلق بالسيد مروان بأنّه محاسبٌ في وزارة الأشغال نهاراً، وفي مختبر طبيٍّ خاص مساءاً وأنّه صاحب الحصة الأكبر في شركةٍ هندسية تتولى أخته الوحيدة إدارتها.. وقد أوضح هاني للسيد مروان أنّ الإبرة التي حُقِن بها كانت من الهيرويين الصافي وأنّ الغرض كان قتله كما يبدو، وطلب منه إتباع الحذر عند خروجه من المشفى.. وخاصةً أنّه مقبلٌ على الزواج بعد أيامٍ قليلة)
(ملخص الجزء الثالث: استدعى المفتش جابر صديقه هاني ليبلغه بالعثور على جثة الصيدلانية سمر، وقد تبيّن أنّها كانت مدمنةٌ على المخدرات وأنّها كانت أيضاً توزّعها بمساعدة وإشرافِ الطبيب المفصول من النقابة مندوب الدواء المزعوم سميح، وبدأ القبض على بعض المروجين الصغار ومراقبة بيت سميح الذي انتبه لذلك وهرب بعيداً. وأصبح السيد مروان في دائرة الإتهام عن قتلها بعد أن اكتشَفَ المحقق هاني أنّه كان متزوجاً بها بعقدٍ مدني، ووجد دفتر مذكراتها الذي يبيّن إهماله لها بعد أن ورّطها سميح بتناول المخدرات وتدهورت صحتها بشكلٍ سيء. وأنّها علمت أخيراً بوجود فتاةٍ جديدة في حياة زوجها وقرّرت الانتقام)
* * *
عاد هاني وهو يعيد ضبط الجاكيت على أكتافه باسماً وقال: نعم سأخبرك.. اسمع يا عزيزي.. لقد كانت البداية الحقيقية لأفكاري كلّها عندما أنكرَ مروان معرفته للصيدلانية سمر التي قال أنّها صادفته في الطريق وصدمته قبل دخوله للحديقة.. رغم أنّها كانت تدير الصيدليةَ الأقرب إلى عمله منذ زمنٍ طويل.
وقد فكّرتُ ببساطة.. لماذا ينكر معرفتها!؟.. ثمّ وصلتني معلوماتٌ عنه كثيرةُ الوضوح، فوضعُ هذا الرجل مثاليٌّ للزواج ولكنّهُ عازبٌ طويلُ الأمد! وكذلكَ فأنْ يبقى موظفاً في مكانين ولا يقتربُ من شركةٍ يملكُ أكثرَ من نصفها.. فهذا ليس طبيعياً أبداً ويجيبُ عليه أن تكونَ الأختُ الوحيدة.. عانساً ومستبدة.
توقف عن الكلام ليشربَ بعض الماء وتأمل ربطةَ عنُقِ المفتش جابر المُحْكَمَة.. كان يهتم بأناقتِهِ أكثرَ فيما يبدو من رقبته المحمرة..
أومأ له المفتش جابر بحنقٍ ليكمل فوضع الكأسَ على الطاولة وتابع:
– الحمد لله.. نعم.. بدأتُ من هذا الافتراض وأجريتُ بعض التحريات.. لقد أخفى عن العالم ارتباطَهُ بالصيدلانية وليس فيها ما يعيب.. ثم فكرت أنّه ربّما فعل ذلك ليخفي الأمر فقط وبالتحديد عن أخته.. وهكذا توقعتُ ماذا يحدث، وفي نفس الوقت بحثت عن الطرف الآخر.. سميح.. المندوب الذي ارتبط اسمه مع الصيدلانية فوجدت أنّه كان طبيباً مفصولاً من المهنة..
– نعم لقد قلت لكَ ذلك.. إنّه مكتوبٌ هنا في إحدى الأوراق وهذا ما ساعده فيما يبدو على التعامل مع المواد الطبيّة والمخدّرة.. ولكن ذلك غير مهم.
قاطعه هاني بحزم:
– إنّه مهم.. أنا أفكر يا صديقي العزيز في كلّ شيء.. والنسبة لي كلّ شيءٍ مهم.. ولذلك رجعت إلى سجلات نقابة الأطباء، وعن طريق العبث ببعض الحواسيب والملفات بجهود يدٍ خبيرة عرفت سببَ فصله.. لقد كانت أسباباً اخلاقية.. حاول التحرّشَ بسكرتيرةٍ عيّنها حديثاً عنده في ذلك الوقت ولم يفلح.. وحاول تلويث سمعتها فيما يبدو من إفاداته لينجو فكانت هي السبب بعد فترةٍ من الزمن خلف الإبلاغ عنه وضبطه متلبّساً في عيادته مع إحدى مريضاته.
قال جابر باستخفاف: وأينَ وجهُ الأهميةِ! وما علاقة كلّ ذلك بالقضية؟
– كانَ اسمُ مريضته.. هيفاء سمير سالم.
رَجَفَتْ يدُ المفتش جابر بدونِ إرادته.. وصرخ: المهندسة هيفاء!
– نعم.. كانَ ذلكَ قبل أن تضعَ يدها على ثروة عمّها وحصّة أخيها من بعده.. وقد دفعني الأمرُ للتحقق من نشاطات هيفاء وسميح المشتركة منذ ذلك التاريخ فوصلتُ لشركة التجارة والمقاولات التي امتلكتْ هيفاءُ جزءاً منها وأدارتها بالكامل..
– لقد تحققنا من نشاطاتها ولم نجد أية عملياتٍ مشبوهة..
– نعم لقد فعلتم ذلك ولكن ليس بطريقتي.
أجابه المفتش جابر ساخراً: وما هي طريقتك يا هاني هولمز..
تابع هاني وكأنّه لم يسمع التهكم:
– تحريّت ببساطة عن عمليات الشركة وعلى وجه الخصوص عمليات الاستيراد.. فوجدت أنّ أول ثلاثةٍ منها كانت لاستيراد بعض الأخشاب المُعدّة لمشاريع البناء.. وقد جمع بينها أنّ مندوب الشركة الذي قام بتخليص البضاعة كان السيد سميح بنفسه، وأردف مسرعاً: ذلك كان في بداية عمل الشركة فقط.. ويبدو أنّهم قرروا بعدها إبعاده عن الأنظار.. ولم يعد يُذكَرُ اسمُهُ في أيّة أوراقٍ تابعةٍ لها في تلك السنة التي تمت أرشفة سجلاتها ولا في السنة المالية الجارية التي بعدها..
تمتم المفتش جابر لنفسه وهو يدور بكرسيّه الكبير: وهذا ما منع تحرياتنا عن تلك الشركة من اكتشاف اسمه..
– نعم ولكنّ أحداً لم يفطن إلى أرشيف الجمارك والتي.. (قالها بنوع خاص به من الغرور) فطنتُ أنا وحازم لها.. واستدرك: في الواقع فإنّ الفكرة خطرت ببال حازم أولاً.. قبلي بقليل.
قال المفتش جابر بصبر: وإذن؟
هاني: إذن.. تصبح على خير.. عليّ أن أنام وأفكر كيف نمسك بالمجرم الرئيسي، لأنّنا نحتاجُ لأدلةٍ أقوى مما نملِكُ حالياً.. كما أنّ هناك أيضاً في الغد وعند الخامسة عصراً سيتوجه مروان مع عروسه الجديدة إلى كوالالمبور ويجب أن نفكر.. كيف نوقف ذلك بنجاح وأن..
قاطعه المفتش جابر بقوله: لن أتركَهُ يسافرُ بعد هذه المعلومات.. سأستدعيه غداً في الصباح للتحقيق معه حول زواجه بالقتيلة سمر وكذبه علينا واحتمال أنّه القاتلَ بالطبع..
كان هاني يسمع وعيونه شاردة خلف المفتش جابر مما جعل الأخير يلتفت ليرى إلى ماذا ينظر ولكنّه بدأ يتمتم وكأنّه لم يسمع شيئاً من كلام المفتش الأخير:
– غداً في الساعة الخامسة.. الخامسة عصراً.. ونظر إلى ساعته وتابع: إنّها الآن التاسعة والربع ليلاً.. ليلاً.. وفجأة انتفض قائلاً:
– يا للغباء.. يا للغباء. ثم نظر إلى ساعته مرةً جديدة وهتف للمفتش جابر متوسلاً:
– لن يكون أمامهم فرصةً ثانية إلا في هذه الليلة.. يجب أن نمنعَ جريمةً أخرى..
– لا.. لا هذا كثير سأستقيلُ يوماً بسببك أنت.. ثم قال بلهجة آمرة:
– اجلس هنا وأخبرني بهدوء.. ماذا تقصد..!
* * *
إسدال الستارة..
كان اللقاء الأخير في هذه القضية في مكتب السيّدين هاني وحازم.. مكتب المفتاح للتحريّات الخاصة.. وقد جمع في جَنَبَاته إضافةً لهما كلاً من المفتش جابر ومساعده النقيب محمد الذي كان يرتشف الشاي العجيب من صنع العم فهيم بإعجاب..
قال حازم: انتهت أخيراً قضية الافتتاح..!
عاجله المفتش جابر:
– وبنجاحٍ رائع.. الآن فقط أستطيع أن أبارك لكما من كلّ قلبي..
انتبه النقيب محمد واعتدل في جلسته ليتحدثَ قائلاً:
– كانت قضيةً شائكة منذ البداية.. فلم يتوقع أحدٌ أن يكون مصدر تلك الدماء حقنة انتقامٍ من زوجةٍ يائسة..
تنحنحَ هاني بصوتٍ مسموع ليبتسم المفتش جابر ويقول: إلا هاني هولمز طبعاً.
– هاني هولمز..! أنتَ تطريني كثيراً يا سيدي المفتش.. فقد كانت مجرد استنتاجاتٍ فقط.
– لن أنسى وجه ذلك المروان عندما واجهناه بعلاقته مع القتيلة.. وكيف انهار تماماً وهو يعترف..
سأل حازم: لم أعلم بالمناسبة تفاصيل تلك الليلة.. ليلة الحقنة..؟ فقد كنتُ مهتماً بإنهاء القضية ونسيت بدايتها.
أجابه المفتش جابر قائلاً:
– لقد ذكر في اعترافه الرسمي أنّها زارته في تلك الليلة في المختبر بعد أن انتهى وقت الدوام المسائي، وأنّها كانت ودودةً للغاية رغم أنّه كان قد انقطع عنها ليومينِ متتاليين.. ثم أرادت أن تحقنه بإبرةٍ منشطة بعد أن لاحظت كما قالت بعض التعب على وجهه.. وهو لم يشكّ بها للحظةٍ واحدة.. وقد بدأت بذلك فعلاً، ولكنّ يدها كانت ترتجف ولم تستطع أن تقاوم رغبةَ إخباره بانتقامها قبل أن تكمل الحقن بالهيرويين الصافي المخلوط ببعض المنّوم وذكرت له اسم تلك الطالبة الجامعية، فنزع الإبرة ودفعها ليرتطم جبينها بحافة المكتب وتسقط مغشيّاً عليها، وعندها اضطر لللجوء لأخته القوية فأمرته بسرعة بمغادرة المختبر إلى الحديقة كما هي عادته في كلّ يوم، وأبلغته بما ينبغي أن يقوله للشرطة وأنه اصطدم بهذه الفتاة صدفةً عند الزاوية إلى آخر الرواية. وبالفعل فقد ذهب مسرعاً متمالكاً نفسه فاشترى عشاءه وغامت الدنيا في عينيه ماشياً حتى دخل الحديقة وانهار هناك.. وهذا ما جعل صديقه الحلّاق الذي كلّمه هاني يستغرب انشغاله وعدم السلام عليه.. وهنا التفت لهاني مثنياً بإشارةٍ من رأسه على تصرفه الذكي.
تدخّل النقيب محمد ليتابع:
– لم يعلم أبداً ماذا كانت ستفعل أخته التي تخاف عليه جداً وعلى سرّية كلّ ما يتعلق به وبها.. وهكذا فقد أرسلَتْ عميلها المُفضّل على عجل ليقضي على الفتاة نهائياً بمسدسٍ كاتمٍ للصوت، ويرميها في أحراش الغوطة.. ثم أمرته بالاختفاء.
قال المفتش جابر: إنّها امرأةٌ قاسية.. وواقعةٌ بالتأكيد تحت وطأة مرضٍ نفسيٍّ شديد.. تخيّل أستاذ حازم أنّها كانت رابطةُ الجأش تماماً في كلّ مراحل اعتقالها.. ولم تتغير ملامح وجهها إلا عندما شاهدت مروان خارج البيت ينظر إليها بذهول.. وأكاد أقسم أنّي رأيتُ دموعها..
وتابع قائلاً:
– يبدو أنّها كانت تحبّه بجنون، فقد خسرت والديها وهي صغيرة ولم تجد حولها غيره.. فأرادت أن تحافظ عليه لنفسها فقط.. وعندما علمت بعلاقته بالصيدلانية ظنّت أنّها عروسٌ قادمة ولم تحتمل ذلك، فأرسلَتْ لها سميح لإبعادها عنه.. وقد استطاع أن يحوّلها من موزّعةٍ للأمل والدواء إلى موزّعةٍ للمخدرات.. لقد كانت ضعيفةً جداً.
تدخل هاني مدافعاً:
– لقد وصفَتْ سمر في مذكّراتها كيف أصبح يهددها بكشف أمرها بعد أن أصبحت مدمنةً دون علمها.. وكيف صارت تساعده في تركيب الهيرويين وتوزيعه في صيدليتها.. وهذا بالطبع لا يعفيها من المسؤولية أمام الله والناس..
وتابع بحزن:
– لقد كانت طوال الوقت تحاول استرضاء زوجها مروان وتخاف من انكشاف أمرها أمامه، ولكنّه سئم منها بعد أن تدهورت صحتها بشكلٍ متزايد، وبدل أن يهتم بها بدأ بالابتعاد عنها، وهكذا نجحت خطة المهندسة هيفاء إلى أبعدِ الحدود.. ولكنّها لم تتوقع أن يلجأ أخوها لفتاةٍ أخرى، وكانت هذه المرّة طالبة جامعية صغيرة وخجولة رآها في المختبر مع أمّها المريضة، فاستغلّ فقرهما ليطلبَ يدَ الفتاة ولِتوافقَ الأمُّ مرغمةً رغم فارق السنّ الكبير. وهنا اكتملت الخيوط.. فقد علمت المرأتان الأخت والزوجة بالأمر، وكانت النتيجة رغبةُ الأخت بالتخلص من القادمة الجديدة المحتملة.. ورغبة الزوجة بقتل الزوج القاسي والخائن.
سأله النقيب محمد:
– ولكن كيف توقعتَ بهذا الإصرار أن تحاولَ أختُهُ قتلَ العروسِ الجديدةِ أيضاً..؟
أجاب هاني:
– نعم يا سيدي.. من يقتل أوّل مرة يسهل عليه القتلَ ثانيةً، وهي لم تكن لتسمحَ لأخيها بالزواج والابتعاد عنها ولن تقتلَهُ بالتأكيد، ولكنّها يمكن أن تقتلَ عروسَه.. وكانت تلك الليلة فرصتها الأخيرة.
تابع المفتش جابر:
– وكان عنوان بيت العروس هو ما سمح لنا بالقبض على سميح الذي كان يختبئ في السطح قرب نافذتها.. كان وجود رجالنا فوق رأسه مثل الصاعقة عليه فلم يكن يتوقع ذلك أبداً.. وقد سمحت لنا اعترافاته بالقبض على شريكته هيفاء بتهم التحريض على القتل والإتجار بالمخدرات.. وأمّا مروان فقد أوشكنا أن نرسلّهُ إلى المشنقة ولكنّ تفسيرات الأستاذ هاني أنقذَتْ موكلّه تماماً، وسمحت له فيما يبدو بامتصاص أجرٍ كبيرٍ منه.. وأردف بنظرة انتقامٍ لهاني مع إبتسامة: وذلك كما علمت بتحريّاتي الخاصة.
تمتم هاني بحروفٍ غير مفهومة وهو ينظر إلى سقف الغرفة وعلى وجهِهِ براءة الأطفال.. ليسألَه النقيبُ محمّد:
– تفسيرات الأستاذ هاني!.. ماذا تقصد؟
أجاب المفتش جابر:
– لم يكن للسيد مروان أيّ ارتباطٍ بشبكة المخدرات ولا بأعمال شركته التجارية.. كما أنّ تفسير هاني لإيذاءهِ لسمر أقنعنا جميعاً فقد كان يدافعُ عن نفسه عندما أوقعَ الفتاة، وبالتالي تمّ إطلاق سراحه.. ولا نملكُ أن نعاقبه على قلّة ضميره وتخلّيه عن زوجته المريضة.
قال حازم ساخطاً: أي أنّه سيسعَدُ بحريّته وعروسه الجديدة..
أجابه هاني: لا يا صديقي فقد ألغت هيَ وأمُّها الزواج.. إنّهم فقراء، ولكنّهم لا يحبون القساة من الناس.
تابع الحاضرون صخبهم ولم ينتبهوا لخطواتِ العم فهيم تقترب.. وهو يحمل بيده اليسرى صينيةً فضيّة لجمع الأكوابِ الفارغة، ويضع يدَه اليمنى قرب منشفته السريّة لتنظيفِ ما يتوقعهُ من آثار الشاي.. على منضدة المحامي المشاغب حازم.
-النهاية-
* * *
م.أحمد عزالدين شربك