أطول من الجبال..

خرج من المسجد بعد صلاة الجمعة في رمضان ورأى صديقَهُ الذي ينتظره من بعيد.. وبينما تخطّى بعض الأشخاص في الزحامِ خَبَت الابتسامةُ التي كان قد أرسلها له وبادلَ الناسَ الكراهيةَ بنظراتِه الحادّةِ والجدّية والآمرة: أن أفسحوا الطريق لقائد الدنيا العظيم.. ألا ترى يا هذا أنّي رجلٌ قوي وكادَ أن يقع لأنّه بدون قصدٍ ربّما أرادَ أن يُريَهُ جزءاً من عضلات ساعديه، ثم تمالكَ نفسه وغالبَ ضحكةً يُظهرها عندما يكون لوحده أمام المرآة يستعرض مناطقَ قوّتهِ وعدوانيتهِ على من سيسوءُ حظّه ويواجهه في دروب الحياة، ورفع ذقنه للأعلى بثقةٍ وعبس في وجه أوّل من قابله بعد تلك العثرة لأنّه تجرأ وألقى عليه نظرةً متفحصة ليس فيها كامل الاحترام المطلوب، ثمّ لمعت عيناه فخراً عندما استطاع بقوة شخصيته أن يكسِرَ عين هذا المتطفّل الضعيف.

وصل عندَ صديقِهِ الذي يعرفه هو منذ زمنٍ بعيد، ويعرف كلٌّ منهما جيداً كيف يخيفُ الآخرين وكيف يملأ قلوب الناس منه بالهيبة. وعندما يمشيان معاً يصبحان القوّةَ المتوهجةَ: بيدٍ واحدة نضرِبُ من حديد، كما كانت تقول قصص الرسوم المتحركة في طفولتهما الأولى.

قد أضعُ لهذا المشهد أكثرَ من نهاية وكلّها لن تصبَّ في صالح هذين الشابين فهما لم يتعلما من الصلاة أن يكونا من الرحماء، ولم يقرأ أيٌّ منهما كلامَ الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم: “ولا تمشِ في الأرضِ مَرَحاً إنّك لن تَخرِقَ الأرضَ ولن تَبلُغَ الجِبالَ طولاً”، ولكنّ النهايةَ الأجملَ أن يعرفَ كلُّ من يسير على هذا النهج أنّه أقلّ ممّا يظنُّ بكثيرٍ جداً، وأنّه بالنسبة للكونِ كائنٌ أضعفُ وأصغرُ ممّا يمكن أن يتخيّل. وأنّ من لا يملِكُ أن يضمنَ حياتَه أو صِحّتَه أو ما يملكه الآنَ لثانيةٍ واحدةٍ قادمة.. لا يَحِقُّ له ولا يناسبُهُ أن يتكبّرَ على أحد.. أيّ أحد.

*                          *                            *

 م. أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق