صبرٌ ونصيب..

– كيف حالك يا عم منصور؟

– الحمد لله..

قال مؤكداً لنفسِهِ: الحمد لله على كلّ حال.. ومضى يدفعُ عربتَهُ الصغيرة على الطريق الممهّدة..

لم تغادر ذهنه طولَ النهار كلماتُ زوجته:

– ستحتاجُ ملابسَ جديدة إذا أصبحت الأمور رسميةً كما قالوا.. لا يمكنُكَ أن تتجاهلَ الحضور.. إنّهم جيراننا منذ عشرينَ عاماً، ماذا ستقولُ لهم؟.. ماذا ستقول لصاحبك أبي هشام؟ ذهبتَ إلى بيتِ أختِكَ ونسيتَ الموعد! أم كنتَ مسافراً! وهم يرون العربة تغادرُ وتعودُ إلى مكانها قربَ الباب كلّ يوم!

هزّ رأسه يريدُ أن يبعدَ هذه الأفكار وتابع كلامَهُ لنفسه: لا أريدُ أن أتدخلَ في شؤونه.. إنّه جاري فقط.. مالي ومالَهُ ومال ابنه هشام.. وظهر في خياله وجه المهندس المعماري المتفوق بكلّ أدبٍ جم يُحضرُ له ولأبيه في فسحةِ دارهم أكواب الشاي..

تتّسعُ ابتسامةُ هذا الشاب لتملأ العالم، وابتسمَ العم منصور رغماً عنه ثم مال بعربته نحو آخر زقاقٍ قبل الجبل هناك حيث تقبع بيوتٌ بسيطة تُطلُّ على المدينةِ من العلّياتِ المبنيةِ فوقها.. عندما يطوي تعبُ النهار وجوهَ الرجالِ وهم يحتسونَ الشايَ أو القهوةَ مع زوجاتهم.

كان الخبرُ الذي وصلَهم بالأمس بأنّ المهندس هشام سيتزوجُ من ابنةِ المدير التي أحبّته، “هذا الجيلُ لا يعبأ بالحياء” وتبرّم وجهُهُ هذه المرة.. ثم قطّبَ جبينُهُ أكثر وهو يتذكر كلامَ أبي هشام عن هذا الزواج، وأنّ المدير سينقل ابنه لمرتبة مساعده الخاص في الشركة، وبعد الزواج سيعيش مع ابنته في جناحٍ واسعٍ من بيته الكبير ذي الحدائق والأسوار.

معه حق، لو كنتُ مكانه لفعلتُ نفس الشيء .. اخطب لابنتك، وشعر بغصّةٍ حقيقيةٍ في صدره فأسنده برفق إلى يده اليمنى، وتمتمَ يسألُ اللهَ العافية بينما استمرَ بدفع العربة بيدٍ واحدة.

لطالما كان يمنّي النفسَ بأن يُصبحَ هشامٌ ولدَهُ الذي لم يكن له يوماً، وكان من دون أن يذكرَ ذلك صراحةً يمدحه دائماً أمام ابنتِهِ منار والتي كانت لا تحتاجُ أيّ تشجيع يزيد محبّته في قلبها.

لقد ترعرعت طفلةً مع ابتسامةٍ وضحكة.. وشابةً مع الحياءِ بينها وبينه، ومع أملٍ وحياةٍ كاملة بينها وبين أمّها ونفسها..

كلّهم في البيت كانوا يتجهّزون لعقد القران، وما أن وجدَ هشام وظيفته الممتازة تلك بعد التخرج حتى سرى الفرح بين الجدران والصدور بانتظار قدومه مع أهله لزيارةٍ تنقلها لبيتٍ تخيّلت كلَّ أركانه بقلبها قبل عينيها.

– ما بكَ يا رجل؟

انتبه العم منصور لصوت جاره العزيز، واكتشف فجأة أنّه وصل فعلاً لجانب البيت حيث يربط العربةَ بالسلسلة المعدنية الصغيرة، والتي يعرفُ هُوَ أكثرَ من غيرِهِ أنّها لا تمنعُ أحداً إذا شاء أن يسرقها ولكنّ الدنيا أمان كما كانوا دائماً يقولون.

– ماذا بك تبدو متعباً؟

أعاد جاره أبو هشام عليه السؤال فحاول أن يجيبَهُ ولم يستطع.. وعندما وقعت عيناه على صاحبه القديم لم يعرف لماذا كادت دموعه أن تفيضَ مثل الشلالات التي فتحت طريقها من قلبه، فأغمضَ عينيه ويده، وهمهمَ بكلماتٍ لم يعتد أن يقولها وحدَها لجاره:

– نعم متعبٌ قليلاَ، ودلفَ مسرعاً إلى بيته.

بدأ جرسُ الباب يدقُّ خلفه بإلحاح، ولكنّه لم يرد وصعد إلى غرفته العالية مع استغراب زوجته التي مرّت أمامه من المطبخ لتفتحَ الباب، وفي الأعلى وجد ابنتَه منار تنظّفُ منهكةً آخرَ أجزاء المرآة والحوض الصغير في الممر.. لم يملك أن يمنعَ دمعَه هذه المرة عندما وصل إليها، وبدون أن يُلاطفَ ابنته الحبيبة كما تعوّدت منه دائماً دخل غرفته وأغلق الباب.

جلس على سريرِهِ وبدأ يخاطبُ نفسه بلا كلمات ودموعه تنسكبُ هادئةً بحرارةِ البراكين على خدّيه.. وبنظرةٍ مستمرةٍ نحو النافذة وظهرُهُ مستندٌ إلى الجدار.. بحنقٍ مكبوت.. وبصبرٍ حمله معه طوالَ العمر ولكنّه بدأ ينفذ..

رفع يده إلى صدره يتوقع الغصّة الجديدةَ.. الأكبر، وأدار رأسه نحو الباب الذي دخلت منه زوجته:

– أبو هشام يريدك أن تشربَ معه الشايَ بعد العشاء.. لقد قال لهم هشام أنّه لا يريد الزواج من ابنةِ المدير.. يريدُ أن يطلبَ يدَ منار لابنه.

غامت عينا العم منصور عن زوجته والعالم ولم يرَ إلا منار عند باب غرفته تقف حائرةً من السعادة.. ونام في تلك الليلة مسروراً بصبرِهِ الذي لم ينفَدْ قبلَ فواتِ الأوان.

*                          *                            *

 م. أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق