قرّرت ذات مساءٍ أن أقتربَ من عالم اليوم الذي نعيشه أكثر، بأن أهجر جهاز “الكومبيوتر” القديم العالق في زاوية الغرفة، والتي احتمل ركنها جلوسي إليه لزمنٍ طويييل حتّى ما عدتُ أعرف إذا كانت مكوناته أو مثيلاته يتم بيعها أو تداولها في الأسواق هذه الأيام، وصارت بداية النهوض إليه من أيّ مكانٍ في البيت رحلةً مقطوعة التذاكر معروفة الوجهة مسبقاً وكأنّها قطارٌ سريعٌ إلى نقطةٍ بعيدةٍ بلا عودة.
كما ساهمت الكنبات الكبيرة في غرفة الجلوس بحصار هذا الركن حتّى صِرتُ أحسب لحركاتي عند خروجي منه بخطةٍ صارمة بدءأ من القيام وقوفاً في المكان وإدارة الكرسي بزاويةٍ محددة، ودوراني بعد ذلك بجزءٍ أوسعَ قليلاً ثم أمدّ قدمي اليمنى لخارج السور وأقفز برشاقة الأطفال “بلا فخر” دون أن أفقد إحدى فردتي حذائي المنزلية مع آخر لمسة للكنبة من الداخل “وهذا يحدث”.
وبادرتُ بعد اتخاذ قرار التطوير بالبحث من جوالي الأثير فوجدتُ عروضاً متنوعةً، ولخبرتي الواسعة “القديمة” استطعت أن أختصرها لما هو حديثٌ بلغة العصر ومناسبٌ لمهنتي وكتاباتي، وكان لعملي في تسويق وبيع المنتجات عموماً دورٌ حاسم في مراقبة حركة السوق بفعاليّةٍ أكبر، ورؤية من عليه العين من الفئات المتنوعة وما الذي ينفد منها بسرعة وبحيث يكون سعر الجهاز قابلاً للاستيعاب “رخيّص وكويّس وابن ناس”.
ووجدت ضالّتي أخيراً في جهازٍ محمولٍ كلّ ما فيه معقول، إلا أن تقبّلي المتزايد للأشياء لن يصلَ إلى مرحلة الشاشة الصغيرة المنمنمة ذات الثلاث عشرة بوصةٍ وكسور، والتي تظنّ أنّ العرفَ العامَّ لدى المستخدمين صار أنّها كافية! وللضمِّ إلى الصدر شافية عند حملها أو البدء بتوضيبها في الشنطة، فحدّدت مقاسها إنكاراً لذلك الشعور من أكبر الشاشات بوصةً.. ستّةٌ إضافةً للعشَرَة، والذي ساعد كما يبدو كونها غير مرغوبٍ فيها على وجود الحسم الذي لألأ عينيّ على الجهاز منذ بداية الخِطبة.
وخلال يومين وصلني الجهاز المنشود بعد أن غازلتُ مسؤولي الشحن في الشركة البائعة على رقمهم في “الواتس أب” لاختصار الفترة المذكورة عند الشراء من خمسة أيام إلى أقرب تقدير.. وعندما فككت علبته الكرتونية بهدوءٍ شديد لم أعهد “تصنّعه” سابقاً أسكَرَني سوادُ لونه المخمليّ، وأخذني الهُيَام برقةِّ جدارِهِ وسلاسةِ الحركة في مفاصل شاشته.
وعلى عَجَل انهمرت عليه بالبرامج من حساباتي الجارية وترعرعَ بين يديّ بسرعةٍ هائلة ليصير جهازاً فاعلاً ولفؤاديَ شاغلاً ولم أستثنِ حتى صورة البحر التي أحبّ على صدر سطحه الرَحْب.
وجاء الوقت أخيراً على طاولة الطعام التي لم أتوقع يوماً أن أُشَغّل عليها “كومبيوتراً” بهيّاً حقيقيّاً بكلّ هذه الرشاقة، وقررتُ أن أبدأ الكتابة.
تسمرّتُ أمام لوحة المفاتيح ونظرتُ للحروفِ مليّاً.. كلُّ لمسةٍ لها تسطرُ حرفاً في الشاشة المضيئة الفارغة، وتظهر الكلمات تلو الكلماتِ لتغطّيها ببطء.. كما تنسابُ على الأرض شمسُ النهار أو كما تسيلُ حبّات الندى على الأزهار فتشرقُ بجمالها وتشعرُ برِقّةَ أوراقها بل تكاد تشمُّ عبيرَها ولو كانت بعيدةً منك على أمتار.
وصرتُ بعد ذلك أتحسّس دقّات قلبي الذي صار ينبِض بوضوحٍ أكبر مع فرحة الأشياء الجديدة والتي أعادت لي القربَ من الجهاز الذي شهد معي بداية تطلّعاتي وشغفي في الحياة عندما كان ذلك مجال عملي المهنيّ المُحبَّب الأول، وكثيراً ما استوعب معي أيامي تلك في التعلّم والدهشة، وفي التدريس بعدها لتطبيقاته الثريّة وحتّى في الألعاب.
بدأت أتعوّد كذلك أن أكون هادئاً ومرتاحاً أينما كانت فيه جلستي مع هذا الصديق الجديد.. الذي يسمَعُكَ وقتما أنتَ تريد، ولا يملّ أو يقولُ متى نتكلّم عن شؤونِهِ هوَ.. كما أنّه يُسمِعُكَ ما تحبُّ سماعَه وليس ما يأخذ طاقتك وأعصابك مثل البعض بـ “أناهم” وانعدام “الرِقَّةِ” في كلامهم، وفوق هذا وذاك يسمح لك أن تلهو وتضحك، تبكي وتطرَبْ ولا يؤنّبك لسخافتك هنا أو جديّتك الزائدة هناك.
نعم صار عندي صديقٌ يصحبني إلى المقهى والحديقة تحت السماء الملوّنة وعند شاطئ البحر.. أُِغلقُ شاشتَهُ عندما أنتهي من عملي أو بمجرد أن أرغبَ بذلك ولأيّ سبب. وعندما أشتاق مجدّداً وفي أي وقتٍ أعود وأفتحها ليتحفني أولاً بتلك الطلّة المتنوعة من أجمل أماكن الأرض التي يختارها برنامج التشغيل ويفاجئنا بها “أو البعض منّا ممّن ما زالوا يتفاجؤون” أو يدهشَنَا.
وأخيراً عندما يخطر في بالي ذلك الإلهام كما أدّعيه.. أسردُهُ سريعاً معه بما أقوله في حكاياتي ولو كانت صغيرة، وأملأ على مهلٍ من خلاله روايةَ عمري التي كُتِبَتْ بالبسمة والدمع والأحلامِ وإن كانت قصيرة. فمرحباً بكتاب أمنياتي الجديد..
_ _ _
أحمد عزالدين شربك