بين القلوبِ والبهيميّة.. جسدٌ وفكرة

كيف تنسجمُ في عقولنا متناقضاتُ الحياة؟ وكيف نكونُ في لحظةٍ عابرةٍ توّاقين لهمسِ الزهور وفي لحظةٍ تاليةٍ نأكلُ بشراهة الأنعام.

“عندما يعزفُ الخوف تَسمعُ القلوب، وعندما يغنّي الجوع تهرَعُ الأجساد”.

من نحن في حقيقة الأمر! وكيف صاغنا الخالق العظيم بديع السموات والأرض؟

نطرَبُ للجمالِ ونبكي من الألم ونستحي من العورات كما نغرق في الشهوة، نضحك ونفور.. نحزن وننوح.

ليس عندنا حدودٌ لمشاعرَ أو صفات.. من بصَمَاتِ أصابعَ وعينٍ وحمضٍ نوويٍّ مختلفين لملايين الوجوه المتفرّدةِ بملامحَ عينٍ وأنفٍ وجبهةٍ ولونٍ معدودة.. لملايينِ الطبائعِ التي لا تكاد تجد فيها شبيهاً مطابقاً لشبيه.. أو قد لا تجد.

بساطة الفكرة مع تعقيد النتائج.. سلاسة الحياة مع ضعفٍ هائلٍ في البناء.

لسنا أقوياء، وتكاد تزولُ من مكرِ بعضِنا الجبال!

نحتاجُ في كلّ لحظةٍ إلى مدد الهواء ودفق الدم في الشرايين وحماية وجوهنا الأضعف من كلّ ما حولها حتّى من الأرض التي خُلِقنَا منها وسنعودُ لحضنها.

نحتاج لملابسَ تحمينا من الحرّ ومن البرد ومن العيون.. لطعامٍ متكررٍ في كلِّ يومٍ وللنوم.. لأُنْسٍ ومحبّةٍ واحتضانٍ وترفيهٍ وعملٍ واطمئنان.. لامتلاك الأشياء وللمكانة والمعرفة.. للأمن والأمان.

مرتبطين بالعشرات من الأقرباء والزملاء والجيران والأوطان، وكلٌّ منهم يصنع فوضى في أيّامنا إن أصابه أيُّ شيءٍ خارج حُسبانِهِ أو حُسبانِنَا.. ساعات الغياب ووسائل المواصلات واحتمالات الحوادثِ أو التعب أو الخيانة لأيٍّ من هؤلاء.. ومن منظارٍ أبعد لدور القمر أو الشمس في حياتنا ولكلّ سكان الكوكب.

هل يقودُ هذا كلّه إلى أيّ شيء؟

حياةٌ نمضي نحن الضعفاء في دروبها الكثيرة جداً ولا إشاراتُ مرورٍ عند تقاطعاتنا فيها ولا شرطةُ سير، ولا قواربَ نجاةٍ في المحيطات مع احتمالاتٍ لزلازل الأرض قائمة.. وليس فوق رؤوسنا غطاءٌ ممّا قد يأتي من السماء.

من نحن هؤلاء الضعفاء!

ومن يتخيّل أو يوقنُ جاهلاً متعالياً أو أحمقاً أنّه سَيَسْلَم في أنفاسه ومسلّمات حياته وقوّته وسطوته أو عقله أو ماله من الآن في صباح هذا اليوم وحتّى نفس المساء.

سيهمس أحدكم في أذني الآن ربّما.. اهدأ، ماذا بك؟

هل اكتشفتَ فجأة كلّ هذه الحقائق! ألم تكن تعرِفها طوال حياتك؟

أم أنّك تمر بهجمةِ ذعرٍ تحتاج معها لزيارة صديقٍ لا أحدَ يحبّ زيارته، أو قد يتهمنا مجتمعنا عادةً بالجنون إذا خطر ببالنا أن نزوره؟

والجواب على سؤالك بعد أنّي حتماً أحتاج هذا الصديق دائماً، بأنّي فقط قد توقفت قليلاً..

نعم فقط توقفت قليلاً، وحاولت أن أنظر حولي في هذه الحياة السريعة جداً والمتسارعة جداً جداً.. حتى مع وَقَفَاتِنَا التي ندّعي أنّنا نقوم بها، ولكنّنا في أثنائِها لا نفكّر في حقيقةِ الأشياء بل في كيف نتخلص من التفكير فيها! مع أنّنا في حركتنا أيضاً.. لا نفكر في حقيقة الأشياء.

ما يهمّنا غالباً هو تحقيق رغباتنا التالية في الحياة والمتتالية والمستمرة التي لا تنتهي، واتّخاذ الطرق الأسهل في عدم التفكير في أيّ شيءٍ قد يعكّر صفوَ اعتيادنا.. بكلّ مشاربنا وانتماءاتنا مهما كانت.

وهل هنالك أسهل من المشي وسط القطيع.. إذا تراخيتَ يميناً دفعك الخروفُ عن يمينك بفروه الناعم الدافئ وعن الشمال بخدّه الرائع أو ربّما بلكزةٍ من ساقه قد تكون مؤلمة قليلاً أو كثيراً ولكنّك اعتدت وتعوّدت مِن كلّ مَن هم حولك على أن تقبلها في عقلك.. فتستمر للأمام ولكن فقط باتجاه سير القطيع.. قطيعُك الخاص أينما كنتَ في هذه الأرض.

وهل أزيدُ لك بيتاً من قصيدة الصندوق؟..

إذا تجرأتَ وتوقفتَ وتأملت، أو تجرأتَ وقلت!.. ستنالُ الكثير من الركلات، وقد يبتعد عنك الكثير أيضاً وستشعر بالوحدة والحَيْرة.

ولكن عندها فقط سترى من حولك وفوقك نجوماً في السماء لم تكن تراها، وعطراً في الهواء وجمالاً في كلّ ما حولك كانوا يحجبونه عنك.. ربّما في هفّة فراشة أو في رفّة طائر أو في ابتسامة طفل أو دمعة حب أو صدق صديق لم تكن تراه وسط القطيع.

وسترى بعين قلبك قبل رأسك كيف ما اتجهت بخلاف القطيع.. أنّ الله هو الذي يضمن لك كلّ ما هو حولك، وهو الذي يؤمّنُ كلّ مخاوفك ويمهّدُ طريقَكَ ويحميك أولاً من نفسك ثم من غيرك.

وهو الذي وفقط هو الذي يعطيك الحريّةَ المطلقةَ في أن تسمعَ وترى وتفكّرَ ثم تمشي في أيّ طريقٍ تختار.. حتّى لو بدأته خاطئاً، وحتّى لو خطئك كان فيه سبحانه فهو بالنّاس الرؤوف الرحيم.

وثق طالما أنّك تمتلك قلباً سليماً ولا تكذب.. على نفسك أولاً وعلى الآخرينَ.. ولا تستكبر في الأرض.. سيوصلك طريقُك إليه كما يعرف الابن الضّال طريقَه إلى حضن أمّه بعيداً عن أيّ قطيع (ولله المثل الأعلى).

وستعرفُ يقيناً أنّ الله الرّّحمن الرّحيم معَكَ أينما كنت.. وأنّه أنيسُك الوحيد الذي لا يبتعدُ عنك في حياتك وبعد موتك، والذي لا يتغيّر عليك في كلّ هذا الكون المتغيّر، والوحيدُ فقط الذي ليسَ له مصلحةٌ معكَ ولكنّها لك.. فهو عزّ وجل أقربُ إلينا من حبل الوريد، وهو الذي لا تأخذُهُ سِنَةٌ ولا نوم وإلا لَهَلَكْنَا. فسبحانَك يا بديعَ السماواتِ والأرض يا ربّنا اهدنا إلى سواء السبيل.

*                                *                                    *

أحمد عزالدين شربك

رأيان حول “بين القلوبِ والبهيميّة.. جسدٌ وفكرة

  1. رؤية رائعة تقودنا الى اليقين الكامل بأن هذا الكون ونحن جميعا وبكل أطيافنا موجودين فيه بأن له الها قادرأ شمل الكون كله ، اله رحيم عليم لطيف بنا ، بوركت وسلمت يداك وافكارك الطيبة …

    إعجاب

  2. يذكر تعالى في قرآنه العظيم كلمة آيات وآية لقوم يتفكرون 4 مرات والتدبر 3 مرات فالله يحثنا على التفكر والتدبر ونحن الكائنات الوحيدة التي خلق لها عقل متطور وقابل للتطور كلما دربته على ذلك ليس عبثا أستغفر الله ولكن حكمة منه سبحانه وتعالى.

    جزيل الشكر عن هذا المقال الذي يذكرنا ويحثنا على التفكر والتدبر في عالم أبدع في خلقه تعالى.

    إعجاب

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد