من الأفضل أن لا تكون أفضل..

عندما يغادر ابنك ليدرس في الجامعة في بلدٍ بعيد أو في مدينة…

عندما تتزوج ابنتك وتترك البيت…

عندما يموت أبوك أو أخوك أو أحد أحبائك…

عندما يغادر حيوانك الأليف الحياة إذا كان لديك أحدها.

ما الذي يحدث؟

إنّه نوعٌ من الألم يصعب تعريفه، يمزّقُ فيك شيئاً وكأنّ خنجراً غُرِسَ في صدرك، ومن ثمّ يمرّ الوقت وتعتاد عليه وتبدأ في النسيان.

وإذا كنت أمّاً سيعاودك الألم أكثر بكثير من غيرك.

وإذا كنت أباً سيكون أقل، ولكنّه عندك أيضاً سيكون مثل تحريك الخنجر في مكان الجرح.

ويتفاوت الناس بعدها بين غياب أُمٍّ أو أبٍ، وأخٍ أو أخت.

(الأختُ أولى أن أبدأ بذكرها ولكنّي أحببت نهاية الجملة بتاء التأنيث الحنونة “الساكنة في اللفظ” أكثر)

ويتفاوتون أيضاً بعد ذلك بين صديقٍ قريبٍ جداً أو جارٍ أو زميل عمل… أو أيّ كائنٍ لا تحبّ الاستغناء عنه على وجه العموم.

وبعدها..

يصعب مرور عينك على شيءٍ لمستموه معاً.. رقعة شطرنجٍ ربّما.. كرسيٌّ جلس عليه.. غرفةٌ فقدت وجوده، حياةٌ نقص فيها ما كَبُرَ أو صَغُرَ من تفاصيله.

فهمتُ الآن بعداً ثانياً للآية الكريمة: “وتوكّل على الحيّ الذي لا يموت” صدق الله العظيم.

ليس فقط في عدم جدوى الاعتماد على أيّ مخلوق كائناً ما كان مثل ما هو ظاهر الآية، ولكن في أنّ كلّ ما حولك حقيقةً رغماً عنك ومنذ اتساع حدقات عيونك أو قلبك لن يكونوا متاحين دائماً لك، كما أنّك لن تكون متاحاً دائماً لهم.

وأنّ كلّ المخلوقات في الكون لها قدرٌ محتومٌ وهو الغياب المؤلم إلا عندما يشاء الله ويلتقي منهم في الجنان من يلتقي لقاءاً لا غياب بعده، وأرجو أن نكونَ أنت وأنا منهم.

ويأتي السؤال الصعب.. كيف يا طبيبَ القلوب نخفّفُ هذا الألم الحتميّ لنا في الحياة عند الفراق؟

وإذا تمثّلت أنتَ الطبيبَ فعندك بالتأكيد طريقةٌ ما أو عدّة طرق، ومن منّا لم أو لن يمرّ بذلك طبيباً له أم مريضاً به قليلاً أو مثلي كثيراً.

وأمّا دوائي الذي أراه مناسباً وإن كنت لا أكونه طوال الوقت.. فهو الصبر والاتصال المستمر بالله والاستسلام لقدره لأنّ هذا ليس بيد أيّ أحد.

ويخطر في بالي فكرتين إضافيتين قد تجلبان الراحة.. إحداهما لطيفة.. وهي الاستناد لحكمة الله الرؤوف الرحيم وأنّ في هذا الألم أو ذاك خيرٌ لي ولك أيّاً من كنتَ تعاني هذا الجرح، وأنّنا فقط لا نعرف بعقولنا المحدودة ما هي وأين الحكمة وسنعرفها يوماً ما.. فلنهدأ.

وأمّا ليست اللطيفة.. فهي في عنوان مقالي وهو الذي خطر في بالي أوّل الأمر وأنا أعاني أحد هذه الأوجاع..

واعذرني على فظاظتي يا من غِبت، ولكنّكَ لو لم تكن أفضل عندما غادرت.. لربّما كان أفضلَ لي كي لا أعاني كثيراً في غيابك.

ولكنّك يا من ابتليتُ بحبّك… كنتَ بكلّ أخطائك..

أفضل.

__ _

أحمد عزالدين شربك

أضف تعليق