اقترب الحديث من النهار، وتوالت الفراشات تسترق السمع..
كان يتحدث عنها بفرح: اشتقت إليها وأخاف أن تغيبَ عنّي أكثر..
ولكن وبعد كثيرٍ من المساءات هدأت الريح في قلبه، فسأل نفسه لماذا كنت أخاف..؟
ولأولّ مرةٍ بعد تسع سنين في الغربة يشعر فعلاً بالخوف.. من الجواب..
هل بدأت أنسى؟..
يبدو أنّها كانت مع الوقت تتسلل.. قشرةٌ رقيقةٌ من الصدأ.. من الجفاء..
تعّودت العيش هنا بين أكوام السيارات، والشوارع العريضة.. والأسواق الضخمة، والناس
الغرباء. نتحدث إذا التقينا عن العودة.. ونحن مسرورون بالغربة.
ونام تلك الليلة على فراشه الوثير.. لم يعد يحلم كما كان برفاق الحارة..
خرج من نومه بفنجانِ قهوة.. ونظر من بعيد.. نحو سماءٍ وقمر.. هناك في النافذة..
اقترب أكثر، ونظر.. أكثر.
كان يحبّ القمر عندما يكبر.. يتأمله بشغف الطفل للسكر.
ودخل النّور في عيونه.. أكثر..
فهربت نسمةٌ من هناك.. من بيته القديم.. سمع فيها صوت بائع الحليب، وشاهد الحمار
الصغير الذي يجره خلفه..
أنصت أكثر.. فسمع من تلك الأيام البعيدة صوت أمّه ينادي، ورآها تعطيه من خلف الباب
قِدرَ الحليب..
أحسّ أنّ القمر يرتجف في عينيه..
منذ زمنٍ طويل لم يشعر بدمعة.
وأحسّ برائحة.. لايشمّها في العادة..
رائحةٌ قريبة.. إلى القلب.
كان يشمّها هناك.. في باحة الدار، من تلك الفلة الصغيرة..
فاحت الرائحة.. وأحسّ بالشوق.. ذلك الشعور القديم، ففتح النافذةَ ولكن..
هبّ هواءٌ آخر..
أغلق الشباك. والتفت وبكى..
الآن فقط بكى، وأدرك.. أنّ لا شيءَ في الحياة.. سينسيه الوطن.
م.أحمد عزالدين شربك