خيبة أمل..

جئت للبيت على عجل في وسط النهار لأحمل بعض الأوراق الخاصة بالعمل، وقبل أن أتوجه للخارج لألتقي مدير الشركة، ونذهب معاً للمكتب كما اتفقنا مررت لغرفة ابني الصغير لأداعبه قليلاً، فوجدته منهمكاً بترتيب قطعة قماش مزركشة تنام عليها دميته المفضّلة، ولمحت من تحتها بعض الأوراق فعلمت الآن فقط أين يضع مصروفه المحصّن..

نظرت إليه بابتسامة فتبسّم هو أيضاً بخبثٍ لذيذ، وقال هو ويديه:

– أملك سبعييين.. وقالت عيناه سبعين ألف..

قلت: كانوا أكثر!.. أجابني بفراغ صبرٍ ليذكرّني بما أنساه متعمّداً عادةً لأثير تعابير الدهشة المحبّبة لديه.. وأحياناً لأتلقّى بعض الكلمات اللاذعة:

– بالأمس اشتريتُ سيارة الإطفاء والكرة المخطّطة الكبيرة، ودفعتُ…

توقف عن الكلام ونظر ليديه اللتين تحولتا فجأة إلى ألةٍ حاسبة، ودارت مع حركات الأصابع الصغيرة جميع حواسّي لأستزيد من هذه البراءة التي لا توصف..

كنت أتمنى أحياناً أن لا يمرّ الوقت مع كلماته وحركاته وتتابع الحزن والفرح والدهشة في عينيه.. ولكنّ رنين هاتفي الجوّال في الغرفة الثانية أوقف كلّ شيء لتلتقط أنفاسي من جديد هواء الحياة والعمل، فتركت طفلي ولم أعرف تتمة القصة.

ألقيت السلام على زوجتي المنهمكة في تحضير أصنافٍ من الطعام لضيوفٍ قادمينَ في نفس المساء.. وقبل أن أخرجَ من الباب أقبل صوته يغرّد من بعيد: بابا..

– بابا انتظرني..

توقفت وتوقّعت أنّه يريد أن يخبرني عن ثمن اللعبتين.. أو أن يُقبّلني قبل أن أغادر, ولكنّه تأخر، لقد كان في داخل الحمّام.. ويصرّ الآن بملء صوته أن أنتظر..

نظرت لساعتي ثم لزوجتي فقالت: اذهب ولا تنتظره سيتأخر كثيراً.. يغسل يديه عدة مرات.. ولن يأتي هنا قبل أن يلبسَ تماماً فهو يستحي منك.. اذهب وسأشغله بطريقتي..

ابتسمتُ باتجاه “الحمّام” وابتسمتُ لها.. ثم خرجت وأغلقت الباب خلفي بشيءٍ من الحسرة فهو سيحزن بالتأكيد.. وقد يعاتبني ولن أملكَ أن أعيد الزمن عندما يقول لي وجهه الصغير: لَمْ تنتظرني!!

كنت أخطو خارج العمارة وأنا أتذوق خيبة الأمل التي سيشعر بها طفلي بعد قليل.. وسؤالٌ يدور في رأسي.. ما الأهم؟.. رضا المدير والمسؤول والطبيب والجزّار.. كلّ من لنا مصلحةٌ واضحةٌ معهم.. أم رضا من يجلب لنا الفرح، ويحتاجنا ربّما أكثر منهم..!

وعرفت أخيراً ماذا تعني خيبة الأمل.

غيّرت شكل وجهي عندما وصلتُ للسيارة وجلستُ بجوار مديري متهلّلاً للقائه.. أريته بعض الأوراق مرفقاً مع بعض الشرح، ثم أغلقت الباب لينطلق السائق متوجهاً إلى مقر الشركة تاركاً أمام مدخل العمارة أباً يلّوح لمديره مودّعاً وقد حصَلَ لتوّه على إجازةٍ سعيدة.. لباقي النهار.

————-

م.أحمد عزالدين شربك

رأيان حول “خيبة أمل..

اترك رداً على A إلغاء الرد