لم أكن أعلمُ أنّها قرب الباب.. تكلمتُ ببساطة:
– لا تصلح أبداً في مجال التدريس، فهي شديدة الحساسية.. أشعر في كلّ يوم أنّها منهكةٌ أكثر، وأنّها تهرب من حياتها ولا أعلم لأين..!
وقبل أن تحاول أمي الاعتراض أو الموافقة سمعتُ حركةً خفيفة فهرعت إلى الباب لأجدها تسرع إلى غرفتها، وكان واضحاً أنّها سمعَت كلّ شيء.. آه ماذا فعلت.. واللهِ لم أقصد..
حاولتُ التحرّك إليها ولكنَّ أمّي أوقفتني: دعها.. ترتاح قليلاً.
ساد صمتٌ ثقيلٌ في الغرفة.. نظرتُ للنافذة البعيدة، وشعرتُ أنّها تنظر لنفس المكان..
كانت تغزل الصوف في كرسيّها الخشبي عندما دخلت لأتحدث عن أختي.. هذه الفتاة التي كانت تملأ البيت مرحاً وحرارة.. قابلتُها وهي عائدةٌ من عملها وكانت شاحبة الوجه ومتكدّرة..كالعادة، وقد مللت أنا من تعبها.
– ماذا ستفعل المسكينة؟ لم يتقدم لها أيّ شابٍ مناسبٍ بعد مروان..
تنهدت الأم الحزينة وتابَعَت:
– لقد ترك فيها جرحاً غائراً.
تذكرتُ كيف ترك لها رسالةً يخبرها فيها أنّه مسافر، وأن لا تنتظره فقد يطول الغياب.
ومنذ ذلك اليوم كست وجهها طبقةٌ رقيقةٌ من الحزن وفشِلت كلّ محاولات العائلة في إزاحتها.
جلستُ بجانب أمي:
– هل ما زالت تفكر فيه؟
هزّت رأسها برفق.. وغصّت الدمعة في عينيها قبل أن تقول:
– كانت تحلم بالأطفال.. وعندما كنّا نتحدث عن ترتيبات العرس.. كثيراً ما قفز بين كلماتها بفرحٍ كبير أنّها ستشتري مع (جهازها) ملابس طفلها الأول.. لولدٍ وبنت. ثمّ صار يتحدث لها كثيراً عن المال القليل وكانت تقول له سيفرجها الله، ثمّ تأتي إليّ وتبكي وتقول.. عمله ليس على ما يرام أخاف أن يرحل.. وفي النهاية رحل.
نظرتُ إلى وجه هذه الأمّ الطيّبة.. كان مثل المصباح، وكان لتأثرها الواضح حمرةٌ جميلة فبدت مثل طفلٍ حزين..
– أرادت من التدريس مجالسة الأطفال حتى تعوّض القهر.. والآن تأتي أنتَ وتخرّب كلّ شيء.
حملت يدها الحنون بملء كفّي وقبّلتها:
– سأكلّمها.. سترتاح.. صدّقيني فأنا أعرف كيف أؤثر عليها.. وهي تعلم كم أحبّها وأخاف من حزنها..
ومثل كلّ الأمهات صدقتني وظهر على شفتيها ظلّ ابتسامة..
وفي المساء بعد ساعات جلست مع أختي في الشرفة..
لم أشعر أنّها مستاءةٌ مني فقد كانت تبتسم.. قليلاً.. مثل أمّي، وكانت تمشي بأصابعها على أوراق الفلّة البيضاء الصغيرة بجوارها..
قلت:
– أريد أن أعتذر..
لم يتحرك فيها شيء، وشعرتُ بأنّها تريد أن تتكلم.. ولا تستطيع..
– هل ما زلتِ تنتظرين..
وتحشرجت في حلقي الكلمة الأخيرة فخرجت خشنةً بعض الشيء..
– عودته..!
غيّرَت فقط اتجاه عينيها وابتسامتها الصغيرة لم تتغير: لا..
أحسست بها واثقةً أكثر من المعتاد.. رمَشَتْ مرتين ونظرَتْ في عينيّ مباشرةً، ثم انهمرت مثل المطر بعد صيفٍ طويل:
– كنت أنتظر حلماً نسجناه معاً.. وكنت أهرب فعلاً في كلّ يومٍ منذ رحيله. تركتُ الجامعة وقبِلتُ الوظيفة لأعيش مع الأطفال.. أطفالي.
لم أكن أعرف أنّي أهرب. واليوم.. اليومَ فقط قلتَها أنت ولم أكن أراها..
وتابعَتْ بتصميمٍ مدّ لأطرافي إحساساً بالرعشة:
– لن أهربَ من جديد.. سأترك عملي هذا فأنا لا أحبّه.. وأعود للجامعة.. لحياتي.. وسأترك حلمي حتّى يشاء الله.. وسأكون راضية.
كبُرت ابتسامتها، وابتسمتُ أنا.. ثم قمت من فوري لأرسمَ ابتسامةً ثالثة.. على وجهٍ حزين جالسٍ هناك.. يشبه وجه الأطفال.
—
م. أحمد عزّالدين شربك
رائعة جدا ..
إعجابإعجاب
ِشكراً جداً أختي ديمة
إعجابإعجاب