أنثى جديدة..

 (عندما تمرّ الأيّام تتلاشى اللحظات ونفقد البريق.. نشعر بالحياة تخفت في أعماقنا، وتبدأ الرحلة نحو الموت.. بطيئةً وقاسية)

كان صاحب الستين عاماً يتحدث مع نفسه طوال الليل، وعندما نام من التعب صار يحلم بأيّام الشباب عندما كان دائب الحركة لا يكاد يقف على طريق..

فتح عينيه، وشعر بغشاوةٍ صغيرة وجفاف في حلقه.. نهض ليشرب، وعندما رفع الكأس رأى في انعكاس الماء وجه ابنته ابتسام في أواخر حملها.. كانت تبتسم كالعادة.

فكّر بابتسامةٍ واهنة: ابنتي الصغيرة.. أكاد أراها بالأمس القريب عندما وُلدت.. وكيف أنّ الجميع قالوا كم هي جميلة، وأنّ وجهها يبتسم بدون عناء،.. والآن توشك هيَ أن تصبح أمّاً.. نعم.. وكم أنّها تشبه أمّي..

أمّي.. وضع رأسه على الجدار ولمعت شعيرات رأسه البيضاء على الدهان الأزرق. هي التي سكنته طوال عمره، وعندما رحلت جاءت ابنته إلى الدنيا في نفس الوقت لتبقى صورتها دائماً معه..

لن يصدق أحدٌ أنّ هذا الرجل الناجح المنطلق دوماً للأمام.. يقف اليوم ولداً صغيراً أمام كهف الذكريات..

ذكريات..

كم يكبر هذا الكهف، وفي كلّ يومٍ جديد يمتلئ بأشياءَ جديدة.. ومؤلمة..

كيف أصدّق أنّك أصبحتِ أيضاً من الذكريات.. أنتِ يا رفيقة الأيام.. أصبحتِ تحت التراب.

عندما رآى أمّ ابتسام.. ميساء.. عرف أنّها مالكة القلب منذ اللحظة الأولى.. منذ النظرة التي هبّت على كيانه إعصاراً من الألفة والحبّ. ولم تكد تمرّ أسابيع قليلة حتّى أصبحت في بيته.. أحبّته وأحبّها وتركت من أجله كلّ الناس لتكون له وحده.. وكان هو دائماً لها وحدها.

والآن رحلت بلا استئذان.. جرحت له قلبه، وعرف بقسوة كم كانت شريكة العمر وحبيبة الروح..

كان البارحة آخر أيام التعزية ومن ساعتها وهو هائمٌ في عالمٍ غير هذا العالم.. كلّ من حوله شهدوا على صبره وثباته، ولم يروا منه دمعة، ولكنّه كان يبكي فعلاً في كلّ ذرّةٍ من كيانه.

أحسّ بالرغبة في السير لعلّه ينسى، ولكنّه كان رغماً عنه يمشي في دروبها.. يتحسّس خطواتهما معاً على أيّ طريق.. كان يمنّي النفس بأن يراها.. ربّما يراها. ولكنّ الأماكن كلّها كانت خالية، والشوارع بضجيجها كانت جرداءَ موحشة.

إنّها الأنثى.. فاضت في حياته من أمّه وحتى ابنته.. بمنتهى الحنان والسعادة ومنتهى الألم.

هاج به الحزن, ثم شعر بالوَحشة فلم يجد له إلا كتف أبيه وحضن أمه.. جاء إلى بيت أهله القديم بقلبٍ متعبٍ ونبضٍ حزين.

حاولوا كثيراً أن يجدوه.. ولساعاتٍ طويلة لم يردّ على أحد، ولكنّه أخيراً قرأ الحروف في رسالةٍ قصيرة: الحمد لله لقد وَلدت ابتسام.. لديك حفيدةٌ مثل القمر. ألا تريد أن تراها.. قلقنا عليك..

نظر إلى الماء في يمينه فاختلج وترنّح نحو أوّل كرسيّ، وترنّحت معه الكأس وسكبت بعضاً منها على يديه وصدره..

أراد أن يشرب ولكنّ الماء مرآةٌ تعكس الوجوه.. تعكس العمر.. تعكس ميساء.

ميساء..

 بصوت متهدّج خرجت منه الحروف مثل الصراخ بعد صمتٍ طويل:

عندما ذهبت أمّي سقتني الحزن، وتركت خلفها ابنتي كي أرتوي من وجهها الجميل.. وعندما تأتي إلينا أنثى جديدة لا تكونين يا ميساء.. إنّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع وأنا على فراقك يا.. ولم يكمل الجملة.

 بكى الصوت المتعب أخيراً بحرقة.. بلوعةِ كلّ المكلومين.. بحبّ كلّ المحرومين.. بحنينٍ إلى الله الباقي الوحيد الذي لا يغيب.

  ومن خلف الدموع والماء أغمض الرجل عينيه.. فرأى ربيعاً وفراشات.. رأى ابتسامة..

كان وجه أمّه.. وفي قسماتها كلّ حنان العالم. ورأى ميساء.. كما رآها لأول مرة.. بكلّ أفراح العالم.

شمّ رائحة الفلّ التي كانت تزرعه أمّه في حوض الدار، وشعر أنّه الآن أكثر خفّة..

مدّ يديه ليسير إليها.. ليطير، ومدّت يدها نحوه لتأخذه معها ولكنّها التفتت.. نحو طفلةٍ مشرقةٍ كالشّمس.. تشبه جدّتها كثيراً.. تأملاها معاً..

ضحكت لها.. وله.. ورسمت على وجهه ابتسامة، ثم مضت بعيدأ حتّى غابت..

فتح عينيه أخيراً.. وأحسّ بالابتسامة عالقةً بين شفتيه.. نظر خلفه بود، واتجه نحو بيتٍ آخر.. حيث كانت أنثى هناكَ جديدة.. تريد جَدّاً مُحبّاً.. تعلو على وجهه دائماً.. تلك الابتسامة.

— —

م.أحمد عزالدين شربك

رأيان حول “أنثى جديدة..

  1. فيها كمية من الحزن والاحساس بالواقعية والتسليم الى نهاية القصة بدا الامل بعدم رحيله لان حفيدته بحاجة للجد
    جميل استاذ ولكنا في هذا الوقت بحاجة الى الحماس والكثير من التفاؤل والفرح

    إعجاب

  2. نحن بحاجة للحماس والتفاؤل في الحياة نعم.. ويأتي الفرح كما أرى من رضانا عن قضاء الله وعن تصرفاتنا فيها وبأنها ترضي الله عنّا.
    شكرأ جزيلاً أختي الكريمة

    إعجاب

اترك رداً على markabmosafer إلغاء الرد