نظّارات أبي..

ساقته قدماها إلى بيت أهله القديم واقتربَ معها.. مع ابنته وداد من باب العمارة. التفتَ إلى نهاية الشارع فلمح دكّان العم “أبو خليل” مضاءاً.. منذ أن توفيّ الرجل وابنه خليل يسهرُ كثيراً في الدكان ويجتمع عنده أصدقاءٌ يبادلونه الحكايات والسجائر ويشاركونه بدون كللٍ لذائذ بضاعته. وربّما امتدت دون أن يراها مع ضحكةٍ عالية يدُ أحدهم إلى درج الورقات النقدية ليستلّ قطعةً أو قطعتين لن يضرّه فقدهما كما يبرّر لنفسه، فهو مجرّد أحمقٍ ورث دكاناً واسعة.

أخرجته وداد من أفكاره وأمسكت بمرفقه في دلالٍ مقصود: – هيّا يا أبي فلنصعد.. لا تتردد أرجوك..

كانت آخر محاولاتها لإقناعه بالقدوم مساء البارحة عندما أغلق جدّها السمّاعة في وجهه وهو حانقٌ على كلّ شيء.

– أريد أن يكونَ سعيداً ولكنّه لا يعرف كيف يكونُ كذلك..! هل سُرَّ خاطرك يا ابنتي؟ ها قد كلّمته وبدل أن يرحّب باتصالي ينهال عليّ باللوم وينهال على الحياة والناس بالاتهامات وتريدين أن أزوره!! لقد طردنا من المنزل ما عداك طبعاً حبيبةَ قلبه.. لقد طردنا الرجلُ فعلاً وأمامَ الجيران.

– أبي أنتَ أكثرُ من يمكن أن يقدّر هذه الأمور.. إنّه صعب الطباع ولكنّه طيب القلب أرجوك.

– أعرف أعرف لا يجب أن أتحدث عنه هكذا فهو أبي وجدّك.. ولكن والله تعبت يا ابنتي تعبت، منذ وفاة أمّي وأنا أحاول التقرّب منه والاعتناء به وهو يزداد ولا ينقص من النكد واللوم والإيذاء، ويبدو أنّ أمي كانت تستوعب كلّ ذلك منه وتترك لنا القليل، وبعد موتها رحمها الله توجّه إلينا بالمزيد.

مرّ يومان على طرده لعائلة ابنه الأكبر من بيته.. لم يعجبه انتقاد الابن ودعم الزوجة لرأيه ضد تصرفاته مع زوج ابنته الوحيدة صهر العائلة وأنّه عنّفه أمامهم بشدّة عندما أغضب ابنته مما جعله مستاءاً كثيراً وقد يتطاول عليه يوماً ما.. هو لا يتوقع أن يجرؤ أحدٌ على الرد عليه فمنصبه العالي القديم وشخصيته القوية عوّده فيما يبدو على انحناء كلّ من هم حولَه لتصرفاته الثقيلة خوفاً أو طمعاً..

همست ابنته برفق: هيا يا أبي سيُسرُّ بزيارتك، وستعود الأمور إلى سابق عهدها.. أنت قدوتنا في الأخلاق والتسامح ألم تعلّمني هذا!

التفت إليها بعينين فخورتين وأراد أن يقول لها الكثير ولكنّه حرّك قدميه لأجلها بدل ذلك.. ومع دقّات الجرس أقبل ظلّ والده الضخم الطاعن في السنّ إلى الباب وعندما التقت عيناهما ترك الأب الباب مفتوحاً والتفت عائداً للداخل: – تفضلوا.. تعالي يا وداد تعالي إلى حضني.

هرعت الابنة الحنونة إلى جنب جدها فأحاطها بذراعه ماشياً، وتركا عند الباب من هو بينهما في العمر يبتسمُ في ألمٍ وحَيْرة..

أغلق باب البيت ونظر حوله فرأى مصحف أمّه على الطاولة القريبة، استغرب من وجوده هنا فحمله حانياً ووجد طرف ورقة يومٍ قديمٍ من التقويم فيه، فتح المصحف عندها وعرف أنّها منذ تاريخٍ بعيد قبل وفاة أمّه بيوم.. كانت معتادةً على استخدام ورق التقويم لتعرف أين وصلت في القراءة ويبدو أنّها كانت آخر ورقة أخذتها بيدها من تقويم دنياها..

ولكن ماذا تفعل هنا إلى الآن.. هل يستخدمها أبوه!! نظر جانباً فلمح نظارة أبيه للقراءة كانت بقرب المصحف ويبدو أنّه تركهما معاً قبل أن يفتح الباب.. استغرب وقال في همسٍ لنفسه لم يكن أبي يقرأ كثيراً من القرآن!!

سمع صوت ضحكات ابنته مع حديث أبيه معها واقترب من غرفة الجلوس بحذر.. لقد اختلطت مشاعره.. كلّ ما حوله يذكّره بأمّه ووجه أبيه الغاضبِ كثيراً، ووتذكّر شجارَه مع المعلّم الذي ضربه في الابتدائية وكيف هدّده بقسوة إن ضرب ابنه مرةً ثانية.. عاد للخلف ووضع المصحف في مكانه بجوار نظارة أبيه. لمس النظارة ببطن أصابعه.. نفس الاطار البني الفاخر القديم.. تذكّر يومَ كان يحملها إليه في الفراش عندما يستيقظ بعد الظهر وكيف كان أبوه يأخذها منه ثم يحمله بذراعٍ واحد ويسنده إلى حضنه وهو يتناول القهوة من يد أمّه.. أمّي كانت تبتسم نعم وأعاد المشهد بين عينيه وفعلاً كانت تبتسم!

أحسّ بحنانٍ مفاجئ فرفع نظارة والده من مكانها وتحسّسها أكثر وكأنّه يلمس وجه أبيه فعاد لخياله بتقاسيمه الغاضبة، وبدون أن يشعر وضع النظّارة بعيداً عن المصحف وكأنّه يحمي أمّه منها..

هل كان لا يستحقها؟ كانت ملاكاً يمشي بين البشر، وكان هو صعبُ المِراس.. كثيراً.

وتتابعت لقطاتٌ لهما معاً في ذهنه.. عندما فتح عليهم الباب مرّةً بسرعة وضحك أبوه لأمّه التي كانت أيضا تضحك خجلةً بعض الشيء.. وعندما أحضر الغسّالة الآلية التي لم تكن بعد تقريباً قد وصلت لأيّ أحد.. كانت أيضاً تضحك وكان أبوه ينظر لها بإبتسامةٍ متعالية.. نعم كانت تبتسم.. تذكّر أنّها لم تكن تعاني قسوتَه دائماً فقد كان يحبّها كثيراً ولا يمكن لأحدٍ أن يُنكرَ ذلك.

سمع صوتاً عميقاً وجافاً بقربه عند مدخل الصالة:

– ألن تدخل!.. سأصنعُ بعض القهوة.

فالتفت سريعاً: – نعم نعم سأدخل نعم.

تركه والده واستدار نحو المطبخ..

تلعثم وقال: – دعني أنا سأصنع القهوة.

– لا..

وصدحت ابنته قافزةً بينهما أنا من ستذوقون اليوم أطيبَ قهوةٍ في حياتكم من يدها..

تبادلا النظرات بايتسامةٍ لها.. وعاد أبوه لغرفة الجلوس..

تنهّد محمّد طويلاً ومشى خلفه.. ولفتت نظره لأوّل مرّةٍ انحناءةٌ خفيفةٌ في ظهر أبيه، وعندما جلس على كرسيّه الوثير لاحظ لأوّل مرّةٍ أيضاً أنّه اتكأ على المرفق وجلس ببطءٍ أكثرَ من المعتاد..

أبو محمّد.. الرجل القويّ!!

جلس على الأريكة المواجهة للتلفاز خلفَهُ قليلاً وتأمّله بطرَفِ عينيه.. لم يجرؤ على إدارة رأسه..

هل بدأ الضعف ينال من أبيه؟ هل يسمع صوت أنفاسه العالية فعلاً؟ هل يلهثُ حتّى وهو جالس!

وللحظةٍ أغمض عينيه والتفتَ برأسه ولمّا فتحهما وجد عينا أبيه ترمقه بنظرة فيها من العتب أكثر مما فيها من الغضب وربّما كان فيها القليل.. من التعب.

انتفضَ قائماً وهو يُهمهم: – سأحضر بعض الماء، وهرب للمطبخ وقال لابنته: – ألا تلاحظين أنّ جدَّكِ مُتعَبٌ بعضَ الشيء؟

– لا يا أبي الحمد لله هو بصحةٍ جيدة مثل العادة، وأردفت: – لقد قاربت القهوة على الانتهاء.. هل تريد شيئاً من هنا!!

هزَّ رأسَهُ وخرجَ متحيّراً نحو غرفة نوم والديه.. فتح درج الخزانة عند صوره القديمةِ معهما ومع إخوته..

لم يعرف لماذا رأى حياتهم السابقة بعينٍ مختلفة.. رأى كيف كان أبوه يقف دائماً محيطاَ بهم.. هنا في الحديقة قبل منحدر التلة، وهنا قرب الشاطئ يشدّ يدَ أخيهِ الصغيرِ ليمنعَهُ من الاقترابِ من الماء، وهناك عند الدوّار الكبيرِ كان يقف بينهم وبين سيّاراتِ الطريق.

لم يكن مبتسماً في أيّة صورة.. نظر أكثرَ لعينيه.. كانتا تحدقان حولهم بينما الباقون يبتسمون، ويداهُ دوماً مرتفعتان تحيطان ربّما بالهواءِ من حولهم.

ورأى كيف كانت أمّه وفي كلِّ الصور قريبةً منه ومائلة وكأنّها تستند عليه..

رأى لأوّل مرّةٍ حناناً متخفيّاً في هذا الوجه القاسي لم يكن يدركُ وجودَه قبل الآن، ورأى الفارق بين ظهره المنتصب القوي في كلّ الصور وبينه الآن وقد بدأ بالانحناء..

سمع نداء ابنته من بعيدٍ ليشرب القهوة.. ولكنّ أفكارَهُ تجاهلتها.. أعاد دفتر الصور إلى الدرج ليلمح تحته الملف المغلق الذي يحمل كلّ شهادات نجاحه وتفوقه وبعض ذكرياته هو وجميع اخوته.. وجد جزءاً من ورقةٍ كَتَبَ عليها هو عندما كان في الحضانة: أحبّك يا أبي وأمي ولم يصدق أنّه كتب اسم أبيه أولا!!

تجرّع شلالاً من الذكريات كانت في طفولته الأولى.. من الحنان الذي كان يهيله عليه أبوه عندما كان يحتاجه ولكنّه وعندما كبر وقويَ عوده عاين أباً من نوعٍ آخر ربّما كان له دورٌ ما فيما أصبح عليه الآن.. فكّر أكثر مع صوت ابنته الذي أصبح قربه في نفس الغرفة.. نظر إليها وتأكّد أنّه يحبّها أكثرَ من كلّ ما في العالم وأنّه وحتّى يحميها يمكن أن يبذل ببساطةٍ لها روحَه.. أليس هذا ما يشعر به كلّ الآباء! ورجعت صورة أبيه وأحسّ بغصّةٍ من الحماقةِ تسري في عروقه.. أحسّ كم كان هو القاسي عندما لم يفهم وعندما كان يغلق عن كلّ ذلكَ عيناه.

أمسك بيد ابنته فشدّته باتجاه جدّها، ولكنّه أخذها أولاً إلى الصالة قرب مدخل البيت..

حمل نظارة أبيه ودفعها برفقٍ إلى جوار مصحف أمّه ثم تلمّسهما معاً.. وابتسم.

لبسَ وجهاً آخر ومشى يقودُ ابنتَه هوَ هذه المرّةِ إلى مكانِ أبيهِ في غرفةِ الجلوس قربَ كرسيّه الوثير.

*                          *                            *

ليس بالضرورة أن يملك كلّ الأبناء ضميرَ و رقّةَ قلبِ محمّد، وليس كلّ الحفيداتِ وداد.. ولكنّ الآباء يمكن أن يعينوا أولادهم على برّهم حتّى يروه بعد ذلك منهم، وحتّى لا يخسر أبنائهم أمام الله.. ولا هم يخسرون..

*                          *                            *

م. أحمد عزالدين شربك

4 آراء حول “نظّارات أبي..

    • نعيش غالباً متجاهلين ما يجمّل الحياة وهو التسامح والدفع بالتي هي أحسن في التعامل مع كلّ من حولنا إلا عند حدود سخط الله بالطبع.. فأحببت أن أذكر نفسي أولاً وكل من يقرأ بذلك، وشكراً جزيلاً لك أخي وصديقي الحبيب حازم…

      إعجاب

  1. رائع يا أبا أنس طريقة السرد والوصف وتسلسل الأفكار وتركيزك على الدراما والمشاعر والاحاسيس الحزينة خلو القصة من الحشو والتفرعات التي تفقد معنى وهدف القصة القصيرة لقد كنت تضاهي المؤلفين المحترفين بالتوفيق

    إعجاب

    • أخي الحبيب أبو سلطان لن تتخيل سروري بكلماتك النقدية الواضحة الدلالة والتي تحمل أكثر مما أظن بأن النص يستحقه.. شكراً جزيلاً على دعائك الطيب وأرجو لك دوام العافية والتوفيق.

      إعجاب

اترك رداً على Algheleis Abdulaziz Abosltan إلغاء الرد