افتتاح ساخن..

اقترب هاني من المبنى الضخم وتأمّل بإبتسامةِ رضا نافذةَ مكتبه الجديد في الطابق الخامس، فرغم أنّها تقع في الزاوية البعيدة وتطلّ على عمارات سكنيّة مجاورة، إلا أنّه يمكن أن يرى منها على البعد مساحاتٍ كبيرة من المدينة..

وصل إلى المدخل وألقى بالتحية على حارس البناء، ثمّ مَتَّع نفسه بالإكساء المرفّه للمصعد.. وعندما اقترب من المكتب تأمّل الاسم المحفور على الباب الزجاجي “مكتب المفتاح للتحريّات الخاصة”.. استدارت رقبته مع الاسم وهو يفتح الباب، وجاء صوت صديق عمره وشريكه المحامي حازم من الداخل:

– أخيراً وصلْت.. سيأتي المهنّئون قبلك يا أستاذ هاني..

ردّ مدرّس البحث الجنائي في كليّة الشرطة غير مكترثٍ بالسخرية: ألم يأتِ أحدٌ بعد؟

– لا تتفائل كثيراً فما أهمية أن يفتتح أخرقان في القانون مكتباً للتحريّات الخاصة! واسأل العم فهيم: منذ ساعة وأنا أتصل بالمدعوين لأذكّرهم بالافتتاح!

ظهر رأس عم فهيم اللامع من الأعلى والأمام مبتسماً وربّما شامتاً على ذلك الوصف، فحيّا هاني ووافق على كلام حازم.. وتابع تمرير عصا المسح على أرضية الممر الصغير.

كان المكتب مؤلفاً من غرفتين وصالةِ استقبالٍ صغيرة.. وعلى يمينها ممرٌ ضيّق يؤدي للحمّام والمطبخ.

– سيأتون.. لا تهتم.

– نعم.. سيأتون، والآن أخبرني لماذا تأخرت، مر وقتٌ طويلٌ بعد الغداء؟

– لقد صادفتُ المفتش جابر وأنت تعرف كم هو مصدرُ معلوماتٍ مهم.. وأطلعني على القضايا التي عنده والتي سمع عنها في قسم الحوادث.

ضحك حازم وقال: إنّه طيّب القلب.. وصديقٌ جيد.

– أجل وقد ذكر لي شيئاً غريباً..

أنصت حازم باهتمام بينما جلس هاني على أحد المقاعد الجلديّة المخصّصة لانتظار الزبائن، وقال بعد أن تأمّل الغرفة من موقعه الجديد:

– أحضروا لهم رجلاً نائماً في حديقة السبكي وعليه آثار دماء.. وعندما سألوه عن السبب قال أنّه لا يعرف، وأنّ كلّ ما يتذكره هو قدومه مساء البارحة لشراء فطائرَ لعشاءه قرب الحديقة.. وبتحليل الدماء تبيّن أنّها منه شخصياً، ولم يجدوا أيّ أثرٍ لجرح!

قال حازم: – قد تكون بسبب إبرة..

– بالتأكيد عرفت أنّ ذلك لن يفوتك.. ولكن لماذا؟ هذا هو السؤال..! وقد وجدوا في إحدى جيوبه مبلغاً مالياً ادّعى أنّه لا يملكه.

– لقد أخذوا من دمه، ودفعوا له الثمن هذا واضح.. قالها العم فهيم الذي دخل فجأةً وهو يحمل صينيةً فضيّةً صغيرة عليها فنجانين من القهوة وكأساً من الماء.

وقف هاني والتقط فنجانه متوجهاً لباب غرفته وهناك التفت إليهما وقال:

– لا أعتقد أنّ الأمر بهذه البساطة.. فالدم متوفرٌ في أماكنَ آمنة والمبلغ الذي تركوه له يكفي وزيادة.. وعلى العموم فهم يُجرون المزيد من الفحوص.

قال ذلك ودخل إلى الغرفة المخصّصة له في المكتب، وتأمّله بعمقٍ مثلما يفعل دائماً مع كلّ شيءٍ حولَه.. مكتبٌ أنيق وكرسييّن كبيرين من الجلد الفاخر وهناك الخزانة مع بعض التحف.. دخل وراءه حازم وسأله: وماذا بعد؟

جلس على كرسيه الدوّار ولفّ وقال: لا شيء.. سيأتي المفتش جابر إلى هنا غداً صباحاً للتهنئة.. لا يستطيع أن يأتي اليوم، وسيأخذني معه إلى المستشفى لأقابل الرجل.

– تقابل الرجل؟

– نعم فقد أثار الأمر فضولي.. وكما فهمت فالرجل لا يشعر بالراحة من هذا الأمر ولكنّه مرتاحٌ مالياً. ابتسم حازم وقال: إذن فأنت تخطّط لسحب ماله، وتعالت ضحكات الاثنان والتفتا معاً لما يبدو أنّه صوت دخول أوّل المهنئين بافتتاح مكتبهما الجديد، وقاما لأداء مراسم الترحيب.

*                  *                  *

جلس هاني في المستشفى منتظراً الإذن له بالدخول لغرفة السيد مروان، وكان يحمل تقرير الفحص الطبّي الأخير مع تقرير المفتش ومحضر التحقيق.. لم يقرأ حتى الآن أيّ شيءٍ غريب فالرجل كان قد استأصل الزائدة الدودية ولم تُجرى له أيّة جراحةٍ أخرى.. بدأ بالصفحة الثانية ليقرأ مصعوقاً.. لقد ظهرت في دمه آثارٌ من الهرويين.. المخدّر اللعين.

وصل إليه المفتش جابر في نفس اللحظة وأكّد له هذه الحقيقة:

– يبدو أنّنا أمام قضية مخدرات.. والسيد مروان ينكر أيّة معرفةٍ له بالأمر.. وقد قال أنّ ذلك أشبه بالكارثة بالنسبة له فهو حتى لا يدخن.. فكيف يقترب من المخدرات!!

وخلال دقائق دخل الرجلان إحدى الغرف الخاضعة للحراسة وجلسا قبالة الفراش حيث قام المفتش بواجب التعريف:

– الأستاذ هاني.. تحرٍّ خاص وهو صديقٌ لنا ويريد أن يسألك بعض الأسئلة..

بادره هاني مباشرةً: كيف تشعر الآن..؟

– أحسن حالاً ولكنّ تركيزي ما زال مشوّشاً بعض الشيء.

– ستتحسّن بإذن الله عمّا قريب، والآن قل لي هل شعرتَ بأنّ أحداً كان يتابعك في تلك الليلة..

– لا أبداً.. لقد ذكرت لهم ذلك.. ذهبت لشراء بعض الفطائر ودخلت إلى الحديقة لأتناولها وبعد ذلك لا أذكر شيئاً..

– حسناً.. هل نظر إليك أحد.. تذكّر جيداً.. نظرتَ أنتَ إلى أحد؟ شاهدتَ شيئاً مميّزاً في الشارع.. في أحد المحلات؟

أجاب بطلاقة: – لم يكن هنالك أيّ شيءٍ مهم.. اصطدمت بفتاةٍ عند زاوية أحد المباني قبل المطعم وقد وقعت حقيبتها فحاولت مساعدتها ثم ذهبَتْ في سبيلها..

تدخل المفتش جابر:

– هل تستطيع أن تصفَها؟

– في الواقع كان في وجهها شيءٌ غريبٌ بعضَ الشيء.. آه نعم كانت ترتدي نظارةً شمسيّة وكان الوقت ليلاً كما تعلم، كما أنّني لمحت شيئاً يلمع عندما ابتسَمَتْ! وتابع مُحرَجاً وهو ينظر للمفتش: و.. وقد خطر في بالي أنّي رأيتها سابقاً.

– لا أفهم كيف تخفون هذه المعلومات.

قال هاني: لا بأس.. فالجميع عادةً يظنون أنّ ما يهمّ الشرطة هو أشياءُ محددة متعلقة بالقضيّة فقط حسب وجهة نظرهم، ولا يدركون أنّ الأحداث الصغيرة والتي تبدو لهم تافهة قد تؤدي إلى توضيح الأمور.

أيّده المفتش جابر بإيماءةٍ من رأسه وقال موجّهاً حديثه للسيد مروان:

– ما رأيكَ إذا علمتَ أنّنا وجدنا شعرةً نسائية عالقةً على يدك.. وأنّنا الآن لسنا متأكدين إن أتت من حادثتك في الحديقة أم أنّها لتلك الفتاة التي اصطدمتَ بها؟

– قد تكون عائدةً للحالتين معاً.. قالها هاني وهو يقوم من مكانه يلّوح بالأوراق التي لم يُكملها: وهل هناك مفاجآتٍ أخرى لا أعرفها بعدُ في هذا الأوراق؟

أجابه المفتش: لا أعتقد.. وعلى العموم لقد جهّزت هذه النسخة لك ويمكنك أن تتأملها على مهل.

– هذا جيد.. والآن أستاذ مروان أريد منك أن تحدد لي مواقع الأحداث منذ خروجك من البيت إلى الكرسي الذي جلستَ عليه في الحديقة.. بالضبط.

-نهاية الجزء الأول-

*                          *                            *

م.أحمد عزالدين شربك

6 آراء حول “افتتاح ساخن..

  1. بارك الله بأسلوبك وبقلمك استاذ احمد …
    استطعت أن تخلق لدينا الفضول والشوق للمتابعة..
    ننتظر الجزء الثاني

    إعجاب

    • أهلاً وسهلاً ومرحباً بك.. شكرًا لدعائك وأرجو أن تكون الأجزاء التالية لائقة ومناسبة لمتابعتك.

      إعجاب

    • شكرًا جزيلا وأهلاً وسهلا بك.. بعد نشر الجزء الثاني بالأمس سيكون الجزء الثالث في موعده بإذن الله يوم الجمعة القادم

      إعجاب

أضف تعليق