نَسِّمْ علينا “وخدنا”…

نسَّمَ علينا الهوى من بعيد.. فاجئَنا والتفتنا.

كنّا نعيش أيّامنا.. نذهب لأعمالنا.. نلهو ونمرح بدون أن نشعرَ بالفرح، وعندما كنّا نضحك تبقى في اللاوعي فينا غصةٌ في مكانٍ ما. وصرنا ننسى حتّى أن نسأل ما هذا الألم بعد أن عليه تعوّدنا.

في أعماق كلّ واحدٍ منّا جرحٌ ينزف ولا يراه أحدٌ غيرنا، ونختلف عن بعضنا فقط باختلاق الأعذار عندما يبدو التعب أو الحزن فجأةً على وجوهنا.

دمٌ أسود كان يتسربُ من بين الثنايا في أرواحنا لوّنته غشاوةُ الحلم وافتقاد الأمل والخوف من المجهول. سفينةٌ في البحر تحمِلُنا بدون مرفأٍ نتجه إليه، ولا قواربَ للنجاة معنا.

نسَّمَ علينا الهوى من مفرقِ حلمٍ لم يكن له وجودٌ حتّى في خيالنا. لم يعبثْ فقط بحزنِ وجوهنا، ولكنّه سكَنَ ذكرياتنا نحو بلادنا.. أمّنا بحضنها الآمن الحبيب، والذي يأسنا من الوصول إليه، وصار لاستحالته وهماً لم يعد يجد عندنا نحوه حتّى الحنين.

يا هوى “دخل الهوى” كم انتقصنا من ذواتنا قبل أن تهبَّ علينا، وكم كنّا نَخفِض أعينَنا خجلاً أمام العالم، حتّى لو لم يكن يرانا العالم. نبتسمُ بفخر.. وبدواخلنا لا يوجد إلا القهر. هزمونا بعشرة لصفر وطردونا من كأس العالم كلّ العالم وكلّ كؤوس العالم ولم يبق لنا إلا كأس الألمِ المرّ وكأسَ الصبر.

نسّمَ علينا الهوى فتنفّسنا.. وأخيراً سمعنا.. أنّ ما كان لا ممكناً صار ممكنا.. وصرنا لمرضنا الذي سنيناً طويلةً سكننا لا نصدّق بأنّه قد حصل فعلاً معنا. وفي كلّ يومٍ كان يمر.. نطالع وسائل الإعلام لنرى تكذيب الخبر أو عودة المرض لأنّنا لم نحتمل ربّما أنّنا نستحق أن نُشفى من مرضنا. وعندما ندركُ أنّه ليسَ حلماً نتنفّس بعمقٍ أكثر، ونترك لقلقنا أن يمرّ عليه يومٌ أخر.

وصارت دائرة الأمل تتسع مع الأيام، وصرنا نخاف عليه مثل المولود الصغير الذي لا تعرفُ كيف تمسكه، ولكنّك لا تخاف على شيءٍ في العالم مثلما تخاف عليه.

اليوم صار الفرح أكبر من طاقتنا على كبحه.. وصار أجمل. وبدأ الدمعُ يفاجئنا مع كلّ كلمةِ تفاؤلٍ نسمعها أو نراها عن بلدنا، وصرنا نحكي لمن حولنا عنها.. عن غدٍ أحلى منها، وصرنا نتلمّس المحبّة والفرح من النّاس من حولنا أينما كنّا.

نسّم علينا الهوا من مفرق الوادي، وصرنا نحسّ به في مفرق شعرنا.. وعلى جباهنا وفي نواحي حياتنا المُقفِرة.. صار يلفح وجوهنا في شتاءٍ بارد.. ولكنّه أصبح هو من يُدفّئُ قلوبنا، وهو من يَظهرُ في أعيننا عودةً للحياة، ويَظهرُ على شِفاهنا ابتسامةً لأوّل مرّةٍ منذ سنينَ لم نعد نتصنّعها.

يا هوى “دخل الهوى” لا أستطيع ان أُكملَ ما بعدها يا فيروزَنا.. إلا وأن أشهقَ أو أنتحب.. حزناً ربّما لأنّه كان خبزُ يومنا، أو قد يكون فرحاً لم يستعد ذاكرته بعدُ عندنا.

نعم يا هوى.. “دخل الهوى”..

“خدني على” بلادي.

“خدني على” بلادي.

م.أحمد عزالدين شربك

رأيان حول “نَسِّمْ علينا “وخدنا”…

  1. أبدعت كعادتك وامتعتنا باللحظات التى قرأنا فيها ولسان حالي يقول عسى أن تطول العبارات

    ألف شكر ابوانس الغالي

    إعجاب

أضف تعليق