شتاءٌ في باريس وشتاءٌ في الدار البيضاء وهنالك شتاءٌ في الرياض..
أين منها الشتاء في دمشق وفي المنامة.. وفي سراييفو وفي برلين..
وذلك الشتاء في مدريد وفي دُبَيّ وفي مسقط وفي بلاد الصين.
في كندا وفي الغابون وفي نيوزيلاندا والأرجنتين.. كلّها شتاءاتٌ في مكانها تصادف زوارها ولا أقصد السائحين بل الذين ولدوا فيها وعاشوا وفيها يدفنون. هم زوّارها لأنّ سنينهم فيها لا شيءَ مع الزمن الطويل الذي يمرّ عليها.
شتاءٌ في إسطنبول لا تريد أن يضيعَ عليك، ولكنّ الشتاء في نيويورك جميل وفي ستوكهولم حيث يعصف البرد فيجتمع زوارها في البيوت ويتجولون نهاراً فقط في المولات المدفّئة. أما هناك في الخرطوم فيعشقون الشوارع في الشتاء الجميل الدافئ.
وفي بيتك الأرض ستحبّ العالم الكبير أينما اتجهت فكلّها خُلقت لك بشتائها وجبالها وورد الياسمين فيها وعصير البرتقال وكوب الزنجبيل.
تشتعل حواسك بها ولها، بأرضها وسمائها.. بألوان بشرة أهلها وحبّهم وحزنهم وروعة اللقاءات بهم وبالقسوة عندما تفترق عنهم.
حياتنا شتاءٌ هنا وربيعٌ هناك.. وصيفٌ ورياحٌ وأعاصير..
رحلةٌ تبدأ بالصراخ وتنتهي بالأنين. تسكبها الدموع قصةً متفردّة.. لكلّ واحدٍ منّا، ومتشابهةٌ لنا كلّنا بالحب الذي فيها والخوف والحنين. نسير يداً بيد مع زملاء الابتلاء في دروبها.
فلنبتسم للناس من حولنا، ولنمسحْ دمعات أحبابنا لأنّنا سنحبّ أن يمسحَ دمعَنا أحباؤنا.
وعندما تنتهي رحلتنا سننظر للعالم الكبير.. يا من كنتَ شاهداً على أحوالنا، ولم نقدر على المرور بكلّ أرجائك في أيام عمرنا، نعرف الآن أين مكانك منّا وأين منك مكاننا، وكم كان اللقاء قصيراً بيننا.
فلم نستطع حقاً أن نرى كلّ الأشياء، وشاءت حكمة الإله أن يكون شتاؤنا في مدينة والشتاءات الكثيرة في مدنٍ بعيدةٍ، فأين هو العالّم الخاص بي يا تُرى أو بنا؟
أرى خريفه كامناً في أفكاري.. برياحه وأوراقه المتطايرة بأحلامي، وربيعه أراه في قلبي بحبّه وحنينه وآلامي! وصيفه القائظ في شراييني بخوفي وفي غضبي وإدماني.
وأمّا الشتاء فلن يكون في باريس ولن يكون في الرياض أو دمشق أو كلّ الأرض.. بل في عيوني.. نعم هو في عيوني، وبرده القارص لي كان دائماً في ابتعادي عن الله.. ودفئه رجوعي، وأمّا المطر فيه.. فهو دموعي، ومظلّتي لتحميني منها يقيني بالله وله خضوعي.
فليس بعد الله غاية، ولا بعد لقاءِهِ آية، ولا حبٌّ يوازي حبَّهُ.. أبداً، ولا الحنين يُصَبُّ إلا إليه، سبحانه.
* * *
أحمد عزالدين شربك
25/7/2025
حين يصل الشتاء إلى العيون وتمطرفهذا رائع في زمن تحجرت فيه القلوب
لقد أبدعت ونقلتنا من شتاء البعد والتشتت إلى شتاء العيون والعودة إلى حضن الإيمان الدافئ
إعجابإعجاب
ما أروع طرحك المتميز كالعادة … أبدعت وأجدت
إعجابإعجاب
لا أظن لك شتاء قارص البرد ولكن شتاءاتك كلها مغلفة بالدفء الذي تستحقه نفسك لجمال عطائك ورفاهة أحاسيسك وكلماتك وبكل محبتي أتمنى لك دفء القلب ..
إعجابإعجاب
رائع تعبير جميل
إعجابإعجاب