هل يروننا من الفضاء؟

لطالما كان الكلام ذريعةً لنقسو أو لنعفو.. لنظلمَ أو لنقولَ كلمةَ الحق.. لتشرقَ منّا الشمسُ على من هم حولنا، أو لتغزو طيورُ الظلامِ صباحاتِهم الهادئة.. منّا.

وفي الأسطر التالية سأقول كلماتٍ للحق ولن أعبأ بمن سيصوّبها أو سيرمي بها في سجلِّ الترهّات أو يرميني.. وسأقولها:

متى غادر أحدنا منطقة راحته آخر مرة؟ ومتى سمح لعقله قبل قدميه ولقلبه قبل جسده أن يرى العالم من حولنا.. خارج ديارنا!

بلدانٌ كثيرةٌ وكبيرة تعيش على ما نعيش عليه ويتجوّل في شوارعها أناسهم بهمومهم وسخافاتهم وخوفهم وضحكاتهم وسعيهم في الحياة.. فما الذي يختلف بيننا وبينهم، هل هي أمزجةٌ وعاداتٌ ومعتقدات؟

نمتلك من بعض ذلك ما هو أفضل مما لديهم، ومن بعضها ما هو أقلّ وأضعف، والكثير منها للأسف تحت الصفر عندنا في مقياس الكفاءة اعتباراً منه إلى عشرة.

تجد على المستوى الفردي لدينا من تجاوزوا ما سأذمّه الآن حتّى أكون قريباً من الإنصاف، وسأترك للختام إنصافاً لهم أكثر ممّا قد تتوقعه.

فأمّا النسيج لدينا بشكله البعيد فيمتلك لوناً باهتاً أبعد ما يكون عن الملاحظة والانتباه له من باقي سكان العالم، ويشكّل فيه ما استثنيته قبلاً منه من الأفراد خيوطاً لا تكاد تراها إلا بمنظارٍ مقرّبٍ قد يصل للمجهر الالكتروني حتّى ترى ألوانهم الأرجوانيّ والأزرق السماويّ العابقين بالحياة.

بينما في تلك البلدان والأنحاء البعيدة عنّا واللامعة المضيئة حتّى بعيون من قد يراها من الفضاء ستجد في القماش الشغف. الكثير من الشغف وليس بكرة القدم فقط.. ستجد الشغف لديهم في أنّهم يفعلون حتّى المنكرات بإتقانٍ مع إتقانهم لمهارات الحياة المفيدة.

يغلّف الإتقان معظم الأشياء في تلك البلدان المتقدمة حتّى في فشل الفاشلين وذنوب المذنبين ولن أسوق أيّة أمثلة لأنّها قد تزعج من منّا قد تزعجه، بينما لا تزعجه قلة الإتقان في كلّ ما هو حوله لأنّه فقط لا يقع في خانة المنكرات عنده!

نتقبّل السهر وإضاعة الوقت والأخطاء المتكررة والكسل!

نتولى زمام المهام الأسهل في ما يأتي في طريقنا منها ونترك دائماً لغيرنا الأقلّ حيلةً المهام الأصعب، وننسى أنّها قد تكون هي الأهم لكي نتعلم.

ويزعجنا جداً أنّ أحداً منهم قد يتأفف أو أن يكلمّنا في تفاصيل تلك المهام لأنّنا لا نريد حتّى أن نتكلّف العلم بها، فلدينا ما هو أهمّ من ذلك بما فيه تسلية أنفسنا وإمتاع ساعاتنا وليالينا والتحدّث بكلمات الثقافة السائدة الفارغة التي تُرضي غرورنا ووهمنا وسذاجتنا، وتُذيب مثل النّار شمعَ أيامِ حياتنا حتى تخبو ونموت، ولم نفعلْ شيئاً حقيقيّاً فيها.

سترانا ننتجُ أسوأ المنتجات لجهلنا بأحسنها أو كيف ننتجها بأنفسنا، ولا نريد أن نتعلّم كيف، كي لا نتعب! وترانا نبيعُ أسهل الترّهات لكسلنا حتّى عن دَسِمِها، ونضيعُ في زحمة الاستهلاك والمشتريات كي لا يبدو أحدٌ غيرنا أحسن منّا أو أهمّ منّا، وفي دواخلنا نقنع أنفسنا بأنّنا جيدين حتى لا نواجه صورتنا القبيحة في مرايا أيامنا.

وهل ظننّا (ونحن ممّن لا يحقّ له الظنّ) أنّنا نعيش هكذا سدىً ولوحدنا! وأنّ الحياة الدنيا مضمونةٌ لنا، وكذلك ربّما آخرتُنا!

فلننظر لما قاله الله ربّنا ونحن مؤمنون به وبكتابه ورسوله لنا بعد أعوذ  بالله من الشيطان الرجيم:

“أم حَسِبَ الّذينَ اجتَرَحُوا السيّئاتِ أن نّجعلَهُمْ كالّذين آمَنُوا وعَمِلوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ ومَمَاتُهُمْ ساءَ ما يحكمون” (سورة الجاثية – 21)

وإذا ذكرنا السيئات فبابها مفتوحٌ على مصراعيه ولن تقتصر على الشرك وعلى ما نقنع أنفسنا أنّنا لا نفعله ربّما من شرب الخمر أو غيره من الكبائر لأنً مقابل ذلك في الآية الكريمة الإيمان وعمل الصالحات معاً.

بل وتتضمن السيئات ما نفعله ويضرّ بأمتنا ومجتمعاتنا والأفراد من حولنا مثل الكسل والتراخي وعدم التعلّم أو التهرّب من المسوؤليات وعدم الإتقان، والكذب، وقول الزور، والسلوك وفق المصلحة وليس وفق الأمانة مع من نخاف منه أو مع من نطمع فيه، وكذلك ظلم الأضعف منّا والقسوة عليه والتهاون في حقوقه (وهو ممّا لا بابَ للتوبة فيه إلا بإرجاع تلك الحقوق للفرد وللمجموع والله أعلم).

وهذا المذكور ليس وحسب للحياة الآخرة يا سادة، بل لهذه الحياة الدنيا أيضاً كما قال ربّنا في الآية الكريمة، وهذه نفسها الحياة التي نعيش فيها الآن وتمضي علينا ساعاتها فيها الآن، ولا نعلم إن كانت الساعة التالية آخر عهدنا بها أم التي بعدها أو بعدها.

والمدهش حقاً لمن يجترح هذه السيئات على المستوى الشخصي (إذا تضمنت أيضاً أمراض القلوب مثل الحسد والحقد والجاهلية والأنانية) عدم معرفته أنّ حياته التي يعيشها الآن ويوقن في داخله أنّها سيئة هي من صنع يديه تبعاً للآية الكريمة بكلام حقٍّ من الخالق القاهر العليم بخبايا الصدور.

وأنّه أيضاً بسيئاته تلك يساهم بلون شخصه الباهت بمزيدٍ من الظلام في حياة مجتمعه، وهي نفسها الحياة التي قد يزعجه هو نفسه فيها أنّنا نستهلك ولا ننتج وإذا أنتجنا فبما يتيسر من المربح السريع فقط وإذا عملنا فبأقل جهدٍ وبأسهل طريقة، وأنّه وأنّنا نشترك جميعاً في المسؤولية عن ذلك.

وتأملوا الآن كلّ ما حولنا بصدق ومهما كانت اهتماماتكم.. وقارنوا بما لدينا وبما لدى بلدان العالم المتقدّم من هذه الاهتمامات، وإذا خطر في بال أيّاً منا بأنّه يكفينا ما عندنا وهو الأصحّ من الله في الدين، فليحتفظ بها في صدره خيراً له، لأنّ هذا الذي يقوله أحرى به وبنا أن نكون أصحّ وأفضل في سلوكنا فرداً وجماعةّ وأنّه لا يعفينا من مسؤولية التحسّن والتعديل بل يحملّنا إيّاها أكثر، وهو حجة ٌعليه وعلينا وليست لنا.

وحتّى لا أنسى ما ذكرتُ في كلامي سابقاً وأفي بوعدي (وهذا ما نفتقده كثيراً أيضاً في حياتنا اليومية ومع أقرب الناس لنا) فكلّ من هو استثناءٌ في مجتمعاتنا على كلّ المستويات المعيشية والمناصب ويمشي وفق ما أراده الله لخليفته في الأرض فهو برأيي أعلى قدراً حتّى من أولئك الذين ذكرتهم في العالم من حولنا والذين امتدحتُ نتائج عملهم..

لأنّهم لم يجدوا البيئة المناسبة التي تدعم مثل هذا السلوك وقد قاموا به فعلاً وصبروا وصابروا ونجحوا بالاستقامة عليه، وكذلك أنّهم هؤلاء القلّة عندنا الذين نرجو زيادتهم يسيرون بطريقة مجتمعاتنا عموماً على مستوى أفعالهم الشخصية وينْأون بها عما يؤذيهم من الذنوب الكبيرة السائدة لدى أولئك في باقي البلدان المتقدمّة نتائجاً والله أعلمُ مرةً ثانية ودائماً وأبداً، وهو عزّ وجلّ من وراء القصد.

*                                *                                    *

أحمد عزالدين شربك

5 آراء حول “هل يروننا من الفضاء؟

  1. مقالاتك دائما ثرية بالوعي والصدق والواقعية ، تطرح نقدا ذاتيا نحتاجه بعمق . لامست بجمال اللغة وجع الواقع، وأشعلت فينا كقارئين لروائعك رغبة في المراجعة لا في المجادلة. أحسنت وأجدت. بارك الله فيك وبقلمك ابو انس الغالي

    إعجاب

  2. للأسف هذا واقعنا المؤلم الذي نعيشه فعلاً نحن بحاجه ماسه لأن نتغير وأن لا نبرر تقصيرنا.

    أشكرك أبو أنس على هذا المقال الممتع 🙏🏽

    إعجاب

  3. موضوع رائع وجدا مهم!

    يجب على كل منا أن يعمل جهده حسب اختصاصه وإمكانياته ويحاول أن يتقن في كل ما يفعله ويحاول جاهدا أن يؤثر على من حوله حتى نرقى بمستوى أعلى فتكون دنيانا وآخرتنا في أحسن حال.

    ومن أحد المعضلات هي الأنانية ومحدودية التفكير والوعي.

    لنشجع بعضنا البعض على ذلك!

    إعجاب

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد