سبع عشرة دهشة..

دخل إلى المكتب صامتاً على غير عادته.. ابتسم على عجل وأشاح بوجهه..
تركت ما بيدي من أوراق واستدرت نحوه.. فتكلّم ووجهه بعيد: لقد أفسَدَت عليّ تلك الفتاة.. أمسيتي، ولم أنم إلا ساعةً واحدة طوال الليل.
لم أتكلم.. ولكنّي ابتسمت، فسمعته يقول: لا تذهب بتفكيرك بعيداً..
وبينما كنت أذهب.. بعيداً، عرفت من حديثه المتواصل أنّها ابنة موظفٍ صغير في إحدى السفارات الأوروبية وقد التقى بها للمرة الثانية فقط مساء أمس في مركز تعليم اللغة الإنكليزية حيث يدرس تحضيراً لبعثةٍ خارجية على حساب الوزارة. وأنّها كانت تناقش مع الأستاذ وبعض الطلاب القدرة على إتقان عدة لغات.
عدت بتفكيري للمكتب الذي يضمّني مع صديقي المكتئب بينما وجهه يحدّق في البعيد، ثم سمعت منه وأنا أتأمل بقعة الشعر الفاتحة اللون خلف رأسه، أنّها تحبّ تعلّم اللّغات، وأنّها تحدثت معهم بعد إلحاحٍ من الجميع بثلاث لغاتٍ غير الإنكليزية، ثم ساد السكون..
وعلى حين غرّة التفتَ واستهدف عينيّ مباشرةً: هل تعرف أنّ عمرها سبعة عشر عاماً..!
ضحكت من دهشته، فلصديقي من دون دهشة.. عينان واسعتان كثيراً.
بدأ وجهه يأخذ شكلاً آخر.. أكثر حزناً، فعرفت منه أنّ كلّ الطلاب في ذلك الفصل الدراسي من بلدنا العربي ما عداها، وأنّ الموضوع الذي طرحه المدرّس الأجنبي كان في الأصل عن الاستفادة من الوقت والهوايات المفيدة..
وأنّها ابنة السبعة عشر ربيعاً والتي لا ينقص بلدها الغنيّ تقدّمٌ أو ازدهار.. قالت بكلّ براءة وأمام الجميع أنّها ومنذ فترة تلاحظ عدم قدرتها على إنجاز ما تخطّط له في كلّ يومٍ من تعلّم، ومن رياضة، ومن حياة.. لأنّ الوقت لا يكفي.
فقررَت أن يصبح نومها من الآن فصاعداً ست ساعاتٍ فقط، بعد أن كانت تنام سبع ساعات..
سكت صديقي الذي لم يهتم يوماً لمرور السنين وليس الساعات ..
وأغمض عينيه الواسعتين لأفتح عينيّ أنا باتساعٍ أكبر، ونحن الاثنان لانصدّق.. كم نعيش في غفلة.

م.أحمد عزالدين شربك

رأيان حول “سبع عشرة دهشة..

  1. سلمت يمينك أبا أنس..
    هذه الأمة فيها خير كثير، ومع الانفتاح الذي نشهده في المشاريع الريادية ووسائل التواصل أصبحنا نرى أمثلة أكثر من الشباب والشابات الذين رفعوا رؤوسنا بإبداعهم وكفاحكم..

    إعجاب

    • أهلاً صديقي المفكر العزيز.. أرجو أن يكثر هؤلاء الشباب والشابات ويصبحوا هم القدوة وليس الفارغ وقتهم من كل معنى أو فائدة.

      إعجاب

اترك رداً على بندر إلغاء الرد